•  الذئاب المنفردة أو تهجين الجهادية بإرهاب الأشخاص بدل المجموعات

الذئاب المنفردة أو تهجين الجهادية بإرهاب الأشخاص بدل المجموعات

2016-08-11 11:56:33

الترويع أو الترهيب بشكل انفرادي قديم جدا، بمعنى أن الذئاب المنفردة لها تاريخ في مجال الإرهاب الذي لم يقتصر منذ وجوده على الجماعات أي الكتائب والعصابات، وبمعنى آخر فإن الذئاب المنفردة أقدم وجودا من الإرهاب نفسه، إلى درجة أن الفيلسوف ميخائيل أليكساندروفيتش باكونين تحدث في آخر القرن التاسع عشر عن الحركة المنفردة كردة فعل قوية ضد النظام ارتباطا بالمعتقد يمكنها أن تتطور، كما أن لويس بيم عضو حركة "كوك كلوكس كلان" المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية نظّر لهذه الفرضية لتصبح فرضية لابد منها على أرض الواقع.
فمع توالي سنوات الصراع الدامي في سوريا والعراق تدفق الجهاديون والانتحاريون بشكل خاص وتفنن آمروهم في أساليب القهر والموت والكراهية ومنها العمليات ذات الطابع الفردي التي استخدمها داعش في الوصول إلى أهداف مهمة كمثل احتلال مراكز المدن العراقية الغربية بسلاسة وبشكل متتابع في العراق، وذلك على غرار ما كان يقوم به تنظيم القاعدة حيث حقق سلبا العديد من العمليات في إطار ما يسمى بالذئاب المنفردة.
لكن هذه الأساليب الانتحارية كان ضحاياها عربا ومسلمين ولهذا كان لابد من توسيع الرقعة باتجاه أوروبا لكي يمضي الانتحاريون إلى وجهتهم في إبادة خصومهم.
 وتطلب هذا التكتيك تهجينا داعشيا يختص بالساحة الأوروبية لوحدها، حيث غابت الحشود والقيادات وبقي الأفراد المعزولون المفككون المغسولة أدمغتهم في مخابئهم في وسط مجتمعات وفّرت لهم ملاذا إنسانيا فيما هم يتحينون الفرص للانقضاض على ضحاياهم.
فهذا التهجين الداعشي الذي قدم فصلا جديدا من أعمال الجهاديين التكفيريين انطلق بكثافة غير مسبوقة لتنفيذ العمليات في عمق أوروبا.
فصار المجتمع المدني الأوروبي ملاحقا بكابوس وجود الأجنبي كيفما كانت قيمته، كما صارت حركته مرصودة ويمكن أن يلقى في السجن في أية لحظة ولأي سبب.
فالذئاب المنفردة نجحت في خلط الأوراق أوروبيا وصار الإسلام كدين عرضة لانتقادات وتساؤلات شتى من قبيل هل إنه دين عنيف أصلا وأن أتباعه عنيفون بالضرورة.
فجأة تملأ الشاشات صور الذئاب المنفردة لتضرب في قلب باريس في شهر يناير 2015 مقر الأسبوعية الساخرة "شارلي إيبدو".
كانت تلك الغزوة (بحسب المصطلح الداعشي) كافية لرسم صورة أوروبية للهلع الجماعي. لا يوجد هدف محدد ومستهدف يراه الأوروبيون لكن وفي نفس الوقت هنالك مأزق حقيقي وعدم وجود استعداد مسبق لدرء تلك المخاطر أظهره على نحو جلي وفاة أكثر من 133 شخصا في حادث ملعب كرة القدم في فرنسا بعد أقل من عام من حادثة مجلة "شارلي إيبدو" لتتلوه حادثة مطار بروكسل في شهر مارس الماضي التي أودت بحياة العشرات على أيدي ذئاب داعشية أخرى وصولا إلى هجوم نيس الأخير.
هنا ستسأل أوروبا نفسها: هل ستنقاد إلى مواقف اليمين الشعبوي المتطرف في عدّ المهاجرين والمسلمين خاصة وباءً وداءً بسببه ستدمَّر القارة العجوز؟
وكيف يمكن لأوروبا تشخيص الذئاب المنفردة الافتراضية لاسيما وأن من نفذ عملية نيس لم يكن ذا سوابق إجرامية لكي تجري متابعته بل كان إنسانا طبيعيا إلى حد ما في نظر جيرانه.
فلا شك أن هذه الاستراتيجية التي أساسها التهجين الجهادي وإنتاج الذئاب المنفردة هي أحد أخطر الأسلحة التي توصلت إليها داعش والتي ستبقي أجهزة الأمن الأوروبية في حالة تأهب مستمر والناس في حالة تهديد لا تنتهي.
فمنذ تدفق الجهاديون باتجاه أفغانستان لمواجهة الاحتلال السوفياتي (1979-1989) وظاهرة الإرهاب تكتسب شكل جماعات منظمة بقيادات ميدانية مدربة وعقيدة تكفيرية عدمية راسخة.
والإرهاب لم يُعرف إلا من خلال تلك الهجمات الجماعية، وحتى العمليات الانتحارية التي يمكن أن يقدم عليها أفراد تم تقنينها بالفتوى كتلك التي أصدرها الشيخ يوسف القرضاوي عندما أفتى بجواز العمليات الانتحارية بشرط أن تقع بقرار من الجماعة.
 في الحقيقة لم يكن هنالك انتحار جماعي بل مواجهات جماعية شبه انتحارية عندما يتخذ الجهاديون قرارا بالمواجهة المسلحة مع علمهم أن ميزتها أنها غير متكافئة في بعض الأحيان، لكن هذا الشكل سرعان ما أخذ يتطور قدما بتنوع أساليب الجماعات الجهادية وتوجيهها أمثلة لا حصر لها تنطبق عليها هذه الحالة وخاصة على الساحتين السورية والعراقية حيث كثر الانتحاريون وتفاقمت أعدادهم.
فعقيدة الولاء وأشكال شتى من فتاوى التكفير أنتجت جيلا محتقنا كارها للحياة مستعدا لتفجير ذاته أينما تم الإيعاز له للقيام بذلك، خصوصا إذا ما علمنا أن فرنسا بالخصوص وسط باقي الدول الأوروبية الأخرى ظلت عاجزة عن إيجاد مقاربة أمنية قوامها الإدماج الاجتماعي عن طريق الدراسة والتكوين وخلق فرص الشغل والمتابعة الإنسانية المرفوقة بالمراقبة داخل السجون.


صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق