• رسالة البابا فرنسيس بمناسبة اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ 2017

رسالة البابا فرنسيس بمناسبة اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ 2017

2016-12-20 12:44:06

    من بين ماجاء في رسالة البابا فرنسيس بمناسبة اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ 2016، ( صدر عن الفاتيكان، 8 سبتمبر / أيلول 2016، عيد ميلاد السيدة العذراء مريم) ، وهي رسالة تصدرها  عن الفاتيكان بهذه المناسبة كل سنة :

  "إن الهجرات اليوم ليست ظاهرة مُرتبطة ببعض مناطق الأرض، وإنما تطال جميع القارات وتأخذ أكثر فأكثر أبعاد مسألة عالميّة مأساويّة. لا يتعلّق الأمر فقط بأشخاص يبحثون عن عمل كريم أو أوضاع معيشية أفضل وإنما أيضًا برجال ونساء ومسنّين وأطفال يُجبرون على ترك بيوتهم راجين إنقاذ حياتهم وإيجاد السلام والأمان في مكان آخر. إن القاصرين هم أول من يدفع الثمن الباهظ للهجرة التي يسببها على الدوام العنف والبؤس والأوضاع البيئيّة، وهي عوامل ترتبط أيضًا بالعولمة في جوانبها السلبيّة. إن العَدْوَ المفرط نحو الأرباح السريعة والسهلة يتضمن أيضًا تنامي آفات مقيتة شأن الاتجار بالأطفال، استغلال القاصرين وإساءة معاملتهم، وبشكل عام، نكران الحقوق المرتبطة بالطفولة والتي تنُصُّ عليها المعاهدة الدولية لحقوق الطفل".

هذه الرسالة ، كسابقاتها من الرسائل ، تعد تقليدا محمودا و متميزا في كنيسة الفاتيكان ، وتعبر عن اهتمام الديانة المسيحية بحقوق المهاجر ، حيث اعتبرت  أن ظاهرة الهجرة ليست منفصلة عن تاريخ الخلاص، بل هي جزء منه ، وترتبط بها وصية لله ، كما جاء في الكتاب المقدس : "والغريبُ فلا تَظلمه ولا تُضايقه فإنَّكم كنتم غرباءَ في أرضِ مصر" (سفر الخروج 22، 20)؛ "فأحبّوا الغريبَ فإنَّكم كنتم غرباءَ في أرضِ مصر" (سفر تثنية الاشتراع 10، 19).

و هذا الاهتمام ، في رأينا ، هو الذي جعل المجتمعات الغربية تسن مجموعة من التشريعات ، و تنشئ العديد من المؤسسات ، و تساعد على تأسيس الكثير من المنظمات الانسانية ، والتي جميعها تسعى إلى احترام حقوق المهاجرين والاعتناء بهم و إدماجهم في المجتمع كمواطين يتمتعون بكامل المواطنة ، في الوقت الذي نجد فيه المجتمعات الإسلامية متأخرة  في هذا الباب ، على الرغم من أن الإسلام أولى العناية لحقوق المهاجرين واللاجئين . 

فقد ورد في القرآن الكريم قصصا تروي عن حالات للهجرة التي قام بها الأنبياء والرسل وأتباعهم . فبعد أن تعرض المسلمون للاضطهاد والتعذيب خلال الدعوة الإسلامية، هاجروا من مكة إلى الحبشة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم حيث تمتعوا بحماية ملك مسيحي. كما أن النبي محمد نفسه هاجر هو وأتباعه من مكة في عام 622م إلى المدينة المنورة للهروب من الاضطهاد، وتلقى كلاجئ الرعاية من المجتمعات التي استضافته. وكذلك النبي إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام ، فقد اضطر هو وأسرته أن يهاجروا وقد حماهم الله عز وجل (سورة الأنبياء: الآية 71) وكذلك هاجر موسى عليه السلام إلى مدين بعد تعرضه لسوء المعاملة ، فوجد حياة أمنة هناك (سورة القصص: الآية 20-28).

كما أن الإسلام يوصي بحسن معاملة اللاجئين والمهاجرين و يقر بحقوقهم ، . يقول تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ( سورة الحشر: الآية 9 ). كما أن هناك آيات قرآنية وأحاديث نبوية عديدة تحث المسلمين باحترام حقوق المهاجرين و اللاجئين ، لا يسع ذكرها في هذا المقال المقتضب .

و من هذا المنطلق ، جاءت  المبادرة الملكية غير المسبوقة للملك محمد السادس ، بصفته أميرا للمؤمنين ، بتسوية وضعية المهاجرين و طالبي اللجوء على أراضي المغرب ، في وضعية قانونية و غير قانونية، وبصفته أيضا حاميا للمقتضيات الدستورية التي تعزز المساواة في الحقوق بين المواطنين والأجانب في وضعية غير قانونية.

كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن السلطات المغربية اعتمدت منذ سنة 2013 إستراتيجية جديدة للبلاد في مجال الهجرة واللجوء، تقوم على إدارة تدفق المهاجرين وتسهيل اندماج المهاجرين الشرعيين، وذلك في إطار الإستراتيجية الجديدة للهجرة واللجوء ، والتي  تضمنت 11 برنامجا حكوميا، تشمل مجالات أساسية من ضمنها تسهيل إدماج المهاجرين بالمغرب في النظام التعليمي والتكوين المهني والثقافة المغربية.كما تشمل البرامج ضمان الحصول على العلاج في المستشفيات المغربية وتحقيق الحق في السكن وفق القوانين المغربية، وتقديم مساعدات قانونية وإنسانية للمهاجرين، وتسهيل الحصول على العمل.

وشرعت السلطات المغربية في منح بطاقات إقامة قانونية لمئات المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء على أراضي المغرب.و هذه السياسة الجديدة للهجرة أعطت للمهاجر أمنا، حيثإن المهاجرين كانوا في السابق يعملون خارج القانون وفي حالة اللاأمن، و أن بطاقة الإقامة القانونية التي منحتها السلطات المغربية جعلت المهاجرين مرئيين.

لكن السياسة الجديدة في مجال الهجرة و التي نوهت كثير من الدول و المنظمات الدولية و الوطنية ، لم تكن معززة بقوانين للهجرة سارية المفعول ، فقط يتوفر المغرب على قانون أساسي و مهم في مجال الهجرة وهو القانون رقم 02 - 03 الصادر سنة 2003، والذي مع الأسف طغى عليه الهاجس الأمني بدل المقاربة التنموية . فالمغرب في حاجة إلى قوانين حديثة تنظم عملية الهجرة واللجوء .

فنظرا لتزايُد أعداد المهاجرين الوافدين على المغرب، خاصّة من دول جنوب الصحراء، أصبح المغرب، الذي كانَ بلَدا مُصدّرا للمهاجرين، قبل أن يتحوّل إلى بلد مُستقبِل، ملزما بسنّ إجراءات استباقية من أجل تفادِي أيّة مشاكل قد تنجم عن تدفّق المهاجرين، على غرار ما حصل في بعض الدول الأوربية، مثل فرنسا.

ولهذا ، ينبغي سنّ قوانين جديدة، من أجل وضع شروط الإقامة للمهاجرين الذين تمّ قبول تسوية وضعيتهم القانونية، لكن يجب وضع ضوابطَ لنوعية الهجرة التي يُريدها المغرب، من أجل الاستفادة من كفاءة المهاجرين، وضمان إدماج جيّد لهم، كماَ هو معمول به في عدد من البلدان المتقدّمة، مثل كندا. 

إنّ المغرب لا يتوفّر على قوانين تتحدّث عن إدماج المهاجرين، وكلّ ما هناك سياسية في هذا المجال ، لكن ينبغي أن تعزز بالقوانين ليتعيّن على المهاجر الانضباط للقانون، واحترام عادات وتقاليد البلد المُضيف، تحت طائلة رفْض استقبال أيّ مهاجر إذا كان يشكل تهديدا لأمن وسلامة البلد.

و أخيرا ، ينبغي على الحكومة ترجمة التوجهات الملكية في مجال الهجرة ، و ذلك من خلال بذل مزيد من الجهود من أجل إدماج المهاجرين في المغرب، وتسوية أوضاعهم في أقرب الآجال. و وضع خطة للنهوض بوضعية المهاجرين في المغرب.وأيضا يجب ملاءمة قوانين بلاده مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المهاجرين، استنادا للمقتضيات الدستورية الجديدة، والالتزامات الدولية للمغرب المتعلقة باحترام حقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا . 



صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق