مأسسة الحوار الاجتماعي

2018-03-27 11:39:01

الحوار الاجتماعي ليس ترفا تمارسه الحكومة والنقابات والباطرونا، ولكنه آلية رئيسية في ضمان استقرار الوضع الاجتماعي، وهو إحدى ركائز توزيع الثروة بين المواطنين، باعتبار الزيادات في الأجور وتخفيض الضريبة على الدخل تعني أنها ستخلص من مواقع أخرى، أي أن الحكومة تأخذ من الأغنياء لتردها على الفقراء. لا شيء يضمن التوازنات الاجتماعية غير الحوار بين مكونات العملية الإنتاجية، وبدونه سندخل زمن الفوضى.
الحوار الاجتماعي هو الأداة التي بواسطتها يتم نزع فتيل الخصومة الاجتماعية التي تعطل الإنتاج وتعرقل السير الطبيعي للحياة العمومية. وتعثر الحوار بين مكونات العملية الإنتاجية يؤثر سلبا حتى على السير الاجتماعي العادي، باعتبار الارتباط بين الأزمات في الشغل والأزمات في المجتمع، بحكم كون الشغالين هم أرباب أسر، تجد نفسها أحيانا دون معيل فتكون عرضة للشارع وأفكار التسطيح والحركات العدمية.
سنة 1996 وقع المغرب ميثاق السلم الاجتماعي بين الحكومة والأحزاب والنقابات. يعني الاتفاق على فترة دون إضرابات ودون احتجاجات. كان هناك ما يبرر ذلك وكانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية تحتم مثل هذا الاتفاق حتى لا تذهب البلاد إلى الهاوية، وأدى دوره الطبيعي في تجنيب البلاد السكتة القلبية أو على الأقل كان مساهما في هذا المرور الآمن من مرحلة حرجة.
لكن بعد مرور 22 سنة على هذا الميثاق لا يمكن أن نبقي على الوضع ذاته. وبالتالي فالمخرج هو الحوار الاجتماعي الحقيقي. والحق يقال إنه في عهد حكومة عباس الفاسي عرف المغرب حوارا اجتماعيا معقولا بشهادة أطرافه ومكوناته. لكن في حكومة بنكيران لم يبارح مكانه. وكان الزعيم الإسلامي يغلق أبواب الحوار الاجتماعي ليتخذ قرارات خطيرة، كان مفروضا أن تكون النقابات طرفا فيها، مثل قرار الزيادة في سنوات التقاعد والزيادة في الاقتطاعات وتخفيض المعاشات.
ولم تصحح حكومة العثماني هذا الوضع. اليوم بعدما انطلقت فعاليات الحوار ينتظر الجميع تغيير البوصلة والتركيز على نتائج ملموسة للقطع مع حالة الاحتقان، التي تنتقل من النقابات والهيئات المنظمة إلى الشارع وتنعكس عليه سلبا وتؤدي إلى احتجاجات اجتماعية غير مؤطرة.
طبيعي أن ينعكس غياب الحوار الاجتماعي على باقي فئات المجتمع. فالحوار الاجتماعي حاجة ضرورية لاستقرار المجتمع ولضمان السلم داخل المجتمع. ولا يمكن أن يستمر السلم الاجتماعي إذا ظل شكليا، لأن الحوار ينبغي أن يواكب التطورات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والمعيشية، فلا يمكن لأجور مجمدة منذ زمان أن تواكب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتحرير السوق وخصوصا سوق المحروقات.
فالحوار آلية تجمع أطرافا ثلاثة. الحكومة والنقابات والباطرونا. والنقابات والأحزاب هي التي تؤطر المجتمع وتصنع مساره الطبيعي في التعبير عن مطالبه. ومع تراجع دورها أصبح المجتمع دون مؤطر معقول فتلقفته الحركات العدمية، التي لا يهمها مطالبه المشروعة بقدر ما يهمها أن تعم الفوضى التي بدونها تموت. وبالتالي فإن حوارا اجتماعيا حقيقيا سيجيب عن مطالب الشغيلة، وهذه الاستجابة تنعكس إيجابا على المجتمع من خلال الدورة الاقتصادية، وحينها تعود الأحزاب والنقابات لتكون القناة الفعلية للحوار بين المواطنين والحكومة.


صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق