البرلمان والاستبداد

2018-07-19 08:24:26

 

البرلمانيون في كل البلدان هم المشرعون. ومن العيب أن يكون كل همهم هو التشريع لأنفسهم ومصلحتهم بينما عديد من القوانين ما زالت في الرفوف ومنها قوانين تهم الحياة العامة والاقتصاد والاستثمار والشفافية. ويمتلك البرلمانيون سلطة دستورية كبيرة تسمى سلطة التشريع. هي سلطة قاهرة من حيث عدم القدرة على رفضها. وهي مفروضة على الجميع بمجرد إقرارها. هذه السلطة "القهرية" بمعنى الإلزام قد تتحول إلى سلطة "قهرية" بمعنى الاستبداد.

وهنا لابد من الوقوف عند هذه السلطة. كثيرا ما يتم وصف السلطة التنفيذية بالاستبداد والطغيان. وكثيرا ما يتم وسم تصرفاتها بالخارجة عن القانون. لكن لا ينتبه الكثيرون إلى أن السلطة التشريعية قد تمارس دكتاتورية ناعمة. طبعا استبداد لا عصا فيه ولا تدخل أمني ولا محاكمات ولا سجون، ولكن استبداد برسم التشريعات التي تقرها هذه السلطة.

لا يظن أحد أن البرلمان لا يمكن أن يمارس استبدادا. فكم من التشريعات التي صدرت كانت ضد مصلحة المواطن. وأحيانا تجتمع الحكومة والبرلمان ضد الشعب. وخير نموذج لهذا الاجتماع هو حكومة بنكيران ومعها برلمان شكل فيه العدالة والتنمية الربع. أصدر تشريعات أكثر جرأة على كل ما هو اجتماعي. تشريعات همت تخريب التقاعد ورفع سن المعاش وإضافة الاقتطاعات وتخفيض التعويضات، وإلغاء صندوق المقاصة الداعم لقوت المواطنين البؤساء. أليست هذه دكتاتورية ناعمة؟

عندما يقوم البرلمان بإقرار نقط محددة في قانون المالية تهم زيادات ضريبية قاهرة لا يتحملها المواطن، سواء أكان موظفا أو عاملا، ألا يكون قد مارس قهرا ضد المواطن؟ ألا تعتبر هذه التشريعات ضربا لقدرته الشرائية؟ ألا يعتبر ذلك استبدادا ناعما؟

المستبد يستهين دائما بكل ما هو عام ولا تهمه سوى خويصة نفسه. وأكثر أهل الأرض استهتارا بالمال العام هم المستبدون. البرلمان المغربي اليوم يمارس أشد أنواع الاستبداد الناعم من خلال انكبابه على مناقشة تقاعد البرلمانيين قصد تمريره في هذا الصيف قبل أن "يبرد" الوضع.

برلمانيون يريدون اقتطاع جزء من الميزانية العامة، التي هي من جيوب دافعي الضرائب، ليستمتعوا بها هم خاصة. يعني يريدون تقاعدا عن خمس سنوات من التمثيل داخل البرلمان. وحتى لو عارض المغاربة قاطبة هذا الموضوع سيتم تمريره لأنه لدى البرلمانيين سلطة التشريع. ولما عارض المغاربة قاطبة "إصلاح" أنظمة التقاعد بطريقة الخشيبات تم تمريره رغما عن أنف الجميع وضدا في كل الدنيا. 

من موقع السلطة التشريعية رفض البرلمان الاستماع إلى صوت المواطن، المندد بالإصلاح العشوائي لأنظمة التقاعد، ومن موقع السلطة التشريعية يرفض البرلمانيون إلغاء معاشاتهم. إذن هي سلطة استبدادية قهرية.

في دولة تعاني اقتصاديا مثلنا تسمى بولونيا صوت البرلمانيون بالإجماع على تخفيض تعويضاتهم بـ20 في المائة وإلغاء المعاشات نهائيا. أليس حريا ببرلمانيينا إلغاء معاشاتهم؟ لكن هيهات. لقد قرروا استنزاف الميزانية العامة. ولا يريدون سماع أي نموذج للإصلاح الجدي.

 

 



صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق