المال والتعليم

2018-07-20 11:59:18

 

المال عصب الحياة كما يقال. الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهو أيضا أكبر العناصر إفسادا للحياة برمتها. لا يمكن نجاح أي عمل سياسي دون مال، ولهذا طالب الدستور في بنوده الأولى بتمكين المعارضة من جميع الإمكانيات التي تخولها القيام بدورها. ولهذا أقر القانون دعما للأحزاب سواء خلال مواسم الانتخابات أو سنويا أو حتى خلال عقد المؤتمرات. هذا المال نفسه قادر على إفساد الانتخابات وإفساد الأحزاب وتحويل العملية السياسية إلى مجرد ريع فقط.

ويمكن أن يفسد المال الحياة الاقتصادية والاجتماعية. التعليم واحد من المجالات التي دخلها المال. عندما دخل المال السياسة من غير الباب الحقيقي والمنطقي أفسدها وجعلها رهانا للقوى الرأسمالية والتجارية، التي استغلت كل شيء لفائدتها. المال يمول الحملة السياسية كي تقوم السياسة بخدمته من خلال التسرب داخل التشريعات. بمعنى يستثمر المال حتى في السياسة من باب التحكم في التشريعات وهي عملية خطيرة.

اليوم دخل المال التعليم بقوة كبيرة. نحن هنا لا نقصد التعليم الخصوصي، الذي مهما قيل عنه ورغم علاته يبقى مساهما كبيرا في العملية التعليمية، بل يرفع الثقل عن الدولة، التي لا تتكلف بتعليم تلاميذ القطاع الخاص، ولكن نتحدث عن دخول المال إلى التعليم من باب "البيداغوجية". وهي عملية شبيهة ببول الأعرابي في بير زمزم أيام الحج.

من أرفع باب من أبواب التعليم يدخل المال ويتسرب ويستوطن هذا القطاع ويسيطر عليه ويخربه في النهاية. من باب البيداغوجية يدخل المال. بدعوى تغيير المناهج البيداغوجية في التلقي يتم تسريب المال. تغيير البيداغوجية يعني تغيير المناهج وتغيير المناهج يعني تغيير المقررات وتغيير المقررات يعني تغيير الكتاب المدرسي وتغيير الكتاب المدرسي يعني طباعة ونشر وصفقات وإنهاك للآباء والتلاميذ على حد سواء.

اليوم يقول وزير التربية والتعليم إنه سيغير المقررات. لفائدة من سيتم تغيير المقررات؟ ولابد من وضع تصور لهذه العملية. إذا كانت تستهدف تطوير العملية التعليمية فمرحبا، ولكن على الوزير أن يوضح للشعب خطته ويضعه نصب عينيه أن العديد من التجارب أجريت على أطفال المغرب، وكانت النتيجة سلبية، ولم يعد لدينا الوقت لنضيعه، فإما أن ندخل مصاف الدول المتعلمة أو أن نفرخ جيلا من الضباع ليس لها من التعليم سوى فك رموز الخط.

لا نريد أن يكون تغيير المقررات مجرد فرصة جديدة للمال كي يضاعف هيمنته على التعليم. ففي السابق كان لدينا تعليم جيد ويخرج أطرا كفؤة دون أن تضطر العائلات لصرف الملايين، رغم أنه على مستوى المقررات لم يكن هناك هذا الكم من الكتب، خصوصا تلك المقررة اليوم والمتعددة والمتناقضة أحيانا.

كثرة المقررات وترك الحرية للمؤسسات التعليمية للاختيار عملية فاشلة بيداغوجيا وتخلت عنها كثير من الدول التي عادت لوحدة المنهاج والبرنامج وبالتالي وحدة الكتاب المدرسة، الذي هو اليوم مجرد بقرة حلوب للاتجار والاغتناء الفاحش.



صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق