محاكمة بوسعيد

2018-08-05 11:32:55

 

لن نسمح لأنفسنا بالانخراط في عملية التسطيح، وبالتالي فإن دعوتنا لمحاكمة بوسعيد تقف على معنى ومبنى مختلف تماما عما يروج له البعض. في العملية التسطيحية يقال إن الإعفاء غير كافٍ لربط المسؤولية بالمحاسبة، ونحن نقول إن مسؤولية الوزير سياسية وليست جنائية أو مدنية وبالتالي فإن عقوبته هي الإعفاء وعدم العودة لتولي مناصب المسؤولية مرة أخرى.

لكن لماذا نريد محاكمة بوسعيد؟ هل نحن غاوون للمحاكمات؟ 

لا هذا ولا ذاك. مواقفنا دائما معروفة بالرزانة وعدم التسرع ومحاولة ضبط المفاهيم، ولم نستعمل المفاهيم في يوم من الأيام كأدوات للتعبير وإنما دائما أدوات للتحليل، ولم ننسق أبدا مع المواقع السطحية ومع الاستسهال في طرح القضايا أو السير مع الموجة. فلما نطالب بمحاكمة بوسعيد ليس لأنه كان وزيرا للمالية يتحمل مسؤولية سياسية، ولكن ما قام به وهو يتحمل هذه المسؤولية السياسية يرقى إلى مفهوم "الجريمة"، المرتكبة من قبل وزير في الحكومة حظه في الدستور الجديد أن يحاكم كواحد من أبناء الشعب.

يبقى المتهم بريئا حتى تثبت إدانته، ولم يصدر أي اتهام في حق بوسعيد، وبلاغ الديوان الملكي جاء مقتضبا، لكنه أورد أمرا بديهيا. يتعلق بكون هذا الإعفاء يدخل في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة. مع العلم أن الدستور ينص بالتأكيد على ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولما أوردها بلاغ الديوان الملكي فهذا يعني، كما يفهم ذلك علماء اجتماع اللغة، أن البلاغ يريد التأكيد على الموضوع عبر صرف مفهوم المحاسبة من المسؤولية السياسية إلى المسؤولية الجنائية.

ولا يمكن طبعا صرف العبارة من معنى إلى آخر دون قرائن. والشبهة، حسب القانونيين، إن لم تكن حجة فهي قرينة. لأن طريقة الإعفاء والمعفى ومكان الإعفاء تحمل دلالات كثيرة. المعفى هو وزير الاقتصاد والمالية. وطريقة الإعفاء بلاغ للديوان الملكي بعد عيد العرش وبعيد تقديم والي بنك المغرب للتقرير السنوي لجلالة الملك والمتعلق بالوضع المالي للمغرب. التقرير تضمن كشوفات خطيرة عن الواقع المالي للمغرب التي تسبب فيها الوزير.

يتحمل الوزير المسؤولية السياسية عندما ترتكب أخطاء من قبل موظفيه، لكن لا أحد من موظفيه قام بإعفاء صديق له وعن طريق القانون من أداء مبالغ ضخمة للضرائب، التي تمول الخزينة العامة، بمعنى "أكل" الشعب. التقرير تحدث عن عرقلة الاستثمار. هل يمكن اعتبار هذا الأمر مجرد مسؤولية سياسية وليس جريمة قائمة الأركان إن لم تكن خيانة عظمى لأنها تضرب في أصل البلد ووجوده وتهدف إلى القضاء عليه؟

لا نقول إن بوسعيد متهم. ولكن لأن كثرة الشبهات تحتم تحقيقا دقيقا من قبل المصالح المختصة، وحينها لا يهمنا إن "طلع" بوسعيد بريئا وسنكتبها بالبنط العريض. أما اليوم فإن الحاجة ماسة لمتابعته حتى "تصفى" الخواطر وحتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وحتى لا يصبح مصير كل من يتلاعب بمصير البلاد هو الإعفاء فقط.

 



صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya
إظافة تعليق