احتفالية عبد الكريم برشيد .. المشروع المفترى عليه

2015-07-31 13:36:25

كرست الاحتفالية لصاحبها عبد الكريم برشيد وجودها وتواجدها في المشهد المسرحي المغربي والعربي على مر السنين، فشكلت بذلك ظاهرة إبداعية قائمة بذاتها، ومشروعا متجددا في شعاب الإبداع والتاريخ والمجتمع.
وهذا المشروع، الذي طوى عدة عقود من الزمن، مر من مراحل أثار خلالها أسئلة عميقة ترتبط بالإبداع المسرحي، على أن الأهم في كل ذلك، هو أن هذا المسار صاحبته نقاشات على المستوى الوطني والعربي توجت بإنجاز مؤلفات وبحوث جامعية حول الاحتفالية.
وقد اعترف برشيد نفسه، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، بأن حركة الاحتفالية أوجدت أرضية للتفكير والتفكير المضاد، كما أوجدت مناخا للرأي والرأي الآخر، وفتحت باب الاجتهاد على مصراعيه، وانتقلت بالفعل المسرحي من المهنية والحرفية إلى الفكر والعلم وإلى عتبة "الفقه" المسرحي.
وبحسب مؤلف (اسمع يا عبد السميع)، فإن من مميزات الاحتفالية هو أنها كانت دائما قريبة "من نبض الناس، ومن روح الفن المسرحي بشكل خاص، وكل الفنون المشهدية بشكل عام" ، معتبرا أن هذه الاحتفالية تشكل في الوقت الراهن علامة بارزة وفارقة في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، "فهي أساسا حركة في التاريخ الفكري والجمالي، وهي بذلك ثورة على الكائن الآني، ودعوة للممكن الآتي ".
وتابع أنه بحسب تعبير مؤرخ الاحتفالية الباحث مصطفى رمضاني، فإن هذه الحركة ملأت الدنيا وشغلت الناس، وذلك على امتداد أربعة عقود كاملة، و"هذا ما لم يتحقق لأي حركة فكرية أو إبداعية سواها ".
وأشار عبد الكريم برشيد إلى أن الاحتفالية كانت في البدء مجرد فكرة، وأسئلة وجودية واجتماعية وسياسية بسيطة، ومع الأيام أصبحت تلك الأسئلة مسائل، و"ارتقت الأفكار الاحتفالية إلى درجة الفكر، وأصبح لها ناظم وسياق وفضاء ولغة وأبجدية ومناخ تحيا فيه وبه ".
وهذه الفكرة، يضيف برشيد، هي أساسا "ترجمة لرؤيتنا العيدية والاحتفالية للعالم"، وفيها "نؤكد على الحق في الوجود وفي الهوية وفي الاختلاف و في الفرح"، وهذا ما " أوضحته في واحد من كتبي الأخيرة المعنون بفلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي".
وفي سياق متصل، أبرز عبد الكريم برشيد أنه اجتهد كثيرا في المسرح، فكريا وأدبيا وجماليا، وحرض دائما على فعل الاجتهاد العالم والفاهم والخلاق، واختلف أيضا مع الموجود المعروف، كما أكد كثيرا على الحق في الاختلاف، وساهم Ü مغربيا وعربيا Ü في تأسيس ثقافة الاختلاف.
واستطرد قائلا إنه اقتنع بأن كل شيء في المغرب الحديث والمعاصر يبدأ من قانون الحريات العامة في سنتي 57 Ü 58، الذي فتح الباب واسعا أمام التعدد الحزبي والنقابي وفي المجتمع المدني، وانه انطلاقا من هذا القانون تأسس التيار الاحتفالي، وقبله وبعده تأسست الأحزاب المغربية الكثيرة، وتأسست النقابات والجمعيات، وظهرت فرق مسرحية بتوجهات فكرية وجمالية متنوعة.
وأشار إلى أن هذا الغنى هو ما جنب المغرب السقوط في دكتاتورية الحزب الواحد، والرأي الواحد، والفن الواحد، وهو ما أعطى للديمقراطية الثقافية المغربية معناها الحقيقي.
وفيما يخص مساهمة المهرجانات المسرحية والأدبية بالمغرب في تحقيق الفرجة، أوضح أن هناك حقيقة لا يمكن إغفالها أبدا، وهي أن هذه المهرجانات "التي تسوق الأعمال والمنتوجات الفنية، لا تصنع هذه الأعمال ولا تنتجها، بل هي أسواق فقط، أو دكاكين للعرض ولا شيء أكثر من ذلك، وهي بهذا لا يمكن أن تعرض إلا ما هو موجود في الساحة".
ومعنى هذا، يضيف برشيد، أن الأساس في الموسم الفني Ü تماما كما في الموسم الفلاحي Ü أن يكون هناك زرع أولا، وأن يكون هناك حصاد ثانيا، وأن يكون الخلق الفني وحده Ü دون سواه Ü هو ما يعطي لكل هذه المهرجانات صدقها وشرعيتها، ويجعلها قريبة من الناس ومن اهتماماتهم ومن همومهم.
وأوضح أنه لكي تكون هذه المهرجانات حقيقية وناجحة، فإن عليها أن تكون صورة جديدة للمواسم المغربية في صورتها الجميلة والأصيلة، وأن تفتح الباب للجميع، وأن تؤمن بالتنافس النزيه والشريف، وذلك من أجل تقديم الأجود والأجمل والأكثر متعة وفائدة للجمهور.
وفي معرض حديثه عن تكريمه خلال مختلف التظاهرات الوطنية والعربية، اعتبر عبد الكريم برشيد أن فعل التكريم هو بالتأكيد جزء أساسي وحيوي من ثقافة عامة، والتي هي أساسا ثقافة الاعتراف، معربا عن اعتقاده بأنه " لا خير في أمة لا تعترف بعلمائها وفنانيها وأدبائها وفقهائها ورياضيها ومناضليها، ولا تكرمهم ماديا ورمزيا، في الحياة قبل الممات، لأنه لا يصح أن نخص الموتى وحدهم بالأضرحة وبالقبب العالية، وألا نلتفت إلى الأحياء من علمائنا وفنانينا المبدعين".
وأكد أنه جرى تكريمه من قبل "المجتمع المدني المغربي، والناس في بلدي، ووزارة الاتصال، كما كرمني صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي خصني بوسام مولوي كريم، وهذا يكفي .. يكفي وزيادة ".
وصدر لعبد الكريم برشيد، الكاتب - المؤلف والمخرج المسرحي والكاتب الصحفي، في مجال البحث المسرحي والدراسات المسرحية والاجتماعية والفكرية العديد من الكتب منها "المسرح الاحتفالي"، و"الاحتفالية في أفق التسعينيات"، و"كتابات على هامش البيانات"، و"المؤذنون في مالطة"، و"غابة الإشارات"، و"الكتابة بالحبر المغربي"، و"الصعود إلى فلسطين"، و"الاحتفالية وهزات العصر"، و"فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي"، و"التأسيس والتحديث في تيارات المسرح العربي الحديث"، و"الصدمة المزدوجة".
ويشغل عبد الكريم برشيد، الذي ولد سنة 1943 بمدينة بركان، أستاذا بكلية الآداب بن مسيك Ü الدار البيضاء، ورئيس لجنة دعم السينما بالمركز السينمائي المغربي، كما يدرس مادة الكتابة المسرحية والنقد وتاريخ التيارات المسرحية لطلبة الإجازة المهنية في المسرح بكلية الآداب بن مسيك.
وسبق له أن شغل رئيس تحرير في عدد من النشرات منها (ربيع المسرح العربي) لمهرجان ربيع المسرح العربي 1990 Ü 1993، و(الموسم) لموسم أصيلة الثقافي، ومجلة (التأسيس - دفاتر مسرحية)، ومجلة (مقامات) التربوية، وكذا كاتب ركن في عدة جرائد ومجلات، وفي الثمانينيات اشتغل مندوبا جهويا لوزارة الثقافة لمراكش وآسفي والصويرة وقلعة السراغنة.
وعبد الكريم برشيد حاصل على الإجازة في الأدب العربي Ü كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس سنة 1971، ودبلوم الدراسات العليا المعمقة بأطروحة في موضوع (الاحتفالية وهزات العصر) بجامعة المولى إسماعيل بمكناس 2001، ودكتوراه بأطروحة في موضوع (تيارات المسرح العربي المعاصر، من النشأة إلى الارتقاء) بجامعة المولى إسماعيل Ü مكناس، وعلى دبلوم في الإخراج المسرحي من أكاديمية مونبوليي بفرنسا سنة 1973.


صاحب المقال : Annahar almaghribiya

المرجع : Annahar almaghribiya