زلاّتُ لسان "بنكيران" في الميزان

زلاّتُ لسان "بنكيران" في الميزان

2016-10-27 11:29:37

يرى [فرويد] أن الإنسان يَكْبُت في لا شعوره أشياء يخفيها ويحاول منْعها من أن تشقّ طريقَها إلى الوعي؛ لذلك تحْصل معنا دائما [زلاتُ اللسان] تُفْلِت عبرها أشياءٌ من الرقابة؛ وهكذا كشف [فرويد] عن عدة آليات من هذا النوع؛ فهناك ما يسمّيه "ردات الفعل السيئة" إذ نفعل أو نقول من تلقاء أنفسنا شيئا كنا قد حاولنا كبْتَه في السابق، وهو يروي مثال عامل كان عليه أن يشرب كأس ربّ معمله الذي كان يكرهه، وكان يصفه بالوغد؛ فرفع العامل الكأس وأعلن بصوت احتفالي: "فلنشربْ الآن نخْبَ وغْدِنا العزيز"؛ وفي الواقع أن العامل لم يكذب، لأنه قال في الواقع ما كان يعتقده حقّا دون أن تكون لديه أيةُ نيةٍ لقوله؛ وهكذا فما نسمّيه زلاّت اللسان، إنما هو تعبير عن حقيقة كامنة في النفس، ونحْرص دائما على أن تبقى خفية لكي لا تطفو على مسرح الشعور، لأن ذلك غالبا ما لا يكون في صالحنا..

وربَّ متسائلٍ يتساءل عن القصد من هذه المقدّمة، ومن رواية هذا العامل الذي سمّى عبر [زلّة اللسان] رَبَّ معمله بالوغد، دون أن تكون لديه نية لقول ذلك.. القصد هو الحديث عن [زلات اللسان] عند [بنكيران].. ما زلنا نذكر قوله إنه غيرُ محتاج إلى رضا الملك، ورغم مجهوداته لتصحيح زلة لسانه، إلا أنه أخفق.. وما زلنا نذكر رفْعَه لشعار [رابعة]، وبذلك أثبت تعاطفَه مع [الإخوان الشياطين] رغم المجهودات التي يبذلها أتباعُه لتبرئته خلال الندوات التلفزية.. وما زلنا نذكر [زلة اللسان] خلال الحملة الانتخابية، حيث عيّر زعيمَ حزبٍ بكون أمّه كانت تبيع البيض؛ وهو عمل لا ينتقص لا من الأم ولا من ابنها، لأنه عمل شريف لكسب القوت اليومي بالجهد وبعرق الجبين، وهو ما يعنيه المثل الفرنسي القائل: [ليس هناك عملٌ سخيف، وإنما هناك سُخفاء].. فبيع البيض هو عملٌ يذر كسبا حلالا، وهو خير من كسب 10 ملايين شهريا بالكذب على الشعب، فذاك سرقة كما قال [أبو ذر الغِفاري] رضي الله عنه، لأنه مال يزيد عن الحاجة، فيما بؤساء يشاركون الكلابَ حول القمامة، وآخرون يبيتون على الطوى، فيما [بنكيران] يأكل في بطنه نارًا، لكنه لا يشعر..

فبزلّة اللسان هذه، كشف [بنكيران] عن حقيقته، وظهر للعِيان ما يعتقده بخصوص الكادحين من أجل لقمة العيش؛ وعبّر رغما عنه عن احتقاره للبسطاء الشرفاء، وهو ما يبرّر ضربَه لأرزاقهم، والمسّ بمصادر عيْشهم، واتخاذ قرارات لإذلالهم، وهو ما يسفّه اعتقادَ البعض فيه، وثقتهم به، فيما هو يظن بهم السوء، ويزدريهم، ولا يعيرهم أية قيمة؛ بل هم لديه مجرد عبيد يصوّتون خدمةً له، ولحاشيته؛ وأدوات وأخشاب مُسَنّدة، يبني بها قنطرة للعبور نحو أهدافه؛ فهو يغويهم ثم يترفّع عنهم؛ وفي الخفاء بمراسيمه يكويهم.. فهو يرى أنهم لا يستحقون العيش الكريم، والصحة، والتعليم، ثم يفشي البطالةَ فيهم، لأن مَن لا عمل له فلا قيمة له كما يقول الفلاسفة؛ والشعب لديه لا يستحق أن يرقى إلى هذه المستويات كما قال [هتلر] في آخر حياته عن الألمان المنكوبين..

يحكي [رينهارت سبيتزي]، أحد المقربين من [هتلر] أنه عندما اشتدّت معركة "برلين"، وكان الشعب يقاوم اجتياحَ الجيش الأحمر السوڤياتي للمدينة، قال [لهتلر]: "أيها الزعيم، ألا يجدر بنا الخروج لتفقُّد الأحوال؟" فردّ عليه [هتلر] بالقول: أتريد مني أن أموت كصعلوك في الشارع؟".. فذُهل الرجلُ لسماع ذلك، وعرف ما كان يظنه [هتلر] بالشعب الألماني في قرارة نفسه، وأدرك لماذا دفعهم إلى الموت، ولم يكن يعير اهتماما لقتلاهم.. وبعد ذلك استدعى [هتلر] الجنيرال [ڤايْدلين]، قائد حامية [برلين] وأمره بتدمير كل المنشآت والمرافق والخدمات.. فقال له [ڤايدلين] إن الشعب يحتاج إلى كل ذلك؛ فرد عليه [هتلر] بأن من سيبقون على قيد الحياة، إما هم حثالة، وحاجاتهم لا ترقى إلى مستوى تلك الوسائل.. وفي اليوم التالي، انتحر [هتلر] بعدما تناولت زوجته [إيڤا براوْن] السم يوم 30 أبريل 1945؛ وذكرت إذاعة [هامبورغ] أن الزعيم سقط، وهو يدافع عن الوطن، وكانت تلك آخر كذبة في العهد النازي.. وكذلك هو أمرُ [بنكيران]؛ فهذا الشعب لا يستحق، بل لا ترقى حاجاته إلى مستوى صندوق المقاصة، ولا يستحق صندوق تقاعد، أو منظومة تعليم نوعي، أو خدمات صحّية متطوّرة، أو انخفاض أسعار يمكّن الجميع من العيش الكريم، بل الفقر، والإملاق، والبؤس هو ما يستحقّه المغاربة، ودورُهم الأساسي هو الشقاء، والتصويت [لبنكيران] كعبيد يقدّمون رؤوسهم طواعية على مذبح مصالحه ومصالح ذويه وحاشيته وأزلامه، وكل ما يقدّمه للمغاربة، هو النكات، والضحك لهم وعليهم؛ وما دام هناك مغفَّلون [فبنكيران] دائما بخير.



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق