غموض اللغة هو وسيلة الظلاميين وأسلوب السياسيين ومصيبة الشعوب

غموض اللغة هو وسيلة الظلاميين وأسلوب السياسيين ومصيبة الشعوب

2016-10-28 11:41:30

كان [التجريبيون] يريدون تصفية حساباتهم مع الفلسفة، وشنوا عليها هجوما عنيفا لم تتعرض له منذ [الغزالي] في كتابه [تهافُت الفلاسفة] لكنّ [ابن رشد] ترافع لصالحها بكتابه: [تهافُت التهافُت].. غير أن هجمة [التجريبيين] كانت أكثر تنظيمًا، وأشد ضراوةً، وأبرز خطورة؛ كيف ذلك، ولماذا هذه الهجمة؟ كان التجريبيون وهم المتأثرون بالعلوم، يرون أن الفلسفة تسبح في فضاء سَمادير الأوهام، وأن الفيلسوف يستمد قيمتَه من غموض عباراته أكثر مما يستمدها من رجحان فكْرته، وأن نشوء بعض المشكلات الفلسفية، إنما نشأت عن استعمال الألفاظ استعمالا مغلوطًا، مما يجعل الإنسان يقع في خطإ يتمثل في اختلاف بين الصورة التي يرسمها الكلام، وبين الحالة الواقعة فعلا؛ لكنه يعتقد أن هذا الكلام مفهوم، وواضح، لأنه يخدع خداعا إيجابيا، فيما هو غير دقيق تماما، بل هو كلام فارغ بكل بساطة.. لذا أرادوا للفلسفة أن تختصّ بتحديد الألفاظ، وأن تصبح خادمة للعلوم، وأن تصقل الألفاظ التي يناولها إياها العلمُ، وكأنهم يريدون للفلسفة أن تقتات على فُتات موائد العلماء، وهذا ما رفضه الفلاسفة..

وللتوضيح أكثر، سنسوق مثالا على رفض [التجريبيين] للفلسفة، بفيلسوف من أمثال [بيركَلَي: 1753-1685]، وهو أُسقُف إيرلندي، كان يقول إن الشيء الوحيد الموجود، هو ما ندركه؛ فردّ عليه [التجريبيون] بسخرية لاذعة: [إنني أنظر الآن إلى خزانة كتبي، فأرى فيها صفوفا من الكتب، ثم أقفلُ أبوابَ مكتبتي فلا أعود أرى الكتب؛ فهل لكونها حُجِبت عنّي، ولم أعد أراها؛ فهي غير موجودة، لأني لم أعد أدركها؟ هذا استخفاف بعقول الناس]. وقصْدُهم هو أن [الأشياء مستقلة عن إدراكنا] وأن هذا الوهم ناتج عن الألفاظ، واللغة غير الدقيقة، ومن غموض العبارات المستعملة للتضليل، والإيهام ليس إلا.. زِدْ على ذلك، أن كل الفلاسفة الذين نادوا بالدقة في الألفاظ، تعرضوا للقتل، أو النفي، أو السجن، من أمثال [سقراط وڤولتير] وغيرهما؛ لأن هذه الدعوة، تمثل خطرا لمن لهم مصلحة في غموض العبارات، ثم إن الذين يطرحون الأسئلة، هم دائما الأكثر خطرا؛ فأن تجيب ليس شيئا مربِكا، لأن سؤالا واحدا يمكن أن يفجّر ما لا يفجِّره مائة جواب، لذا تجد المضلّلين والمخادعين، ينهون عن طرح الأسئلة في الدين، وفي السياسة، وفي شتى الميادين الأخرى.

هذا بالضبط، ما يحصل في وطننا العربي بوجه عام، وما يجري في بلادنا بوجه خاص.. لذا ترى رجل الدين يتحدث بوثوقية، وما على المستمعين إلا الإذعان والتصديق؛ وترى المخادع السياسي يضلّل بعباراته، وما على الجمهور إلا التصفيق؛ وتجد أقلامَ التضليل، تحشو أدمغةَ الناس بالمبرّرات الواهية، والترهات، وما على القارئ إلا أن يلتهم الكلمات كما لو صدرت عن أنبياء معصومين، يوحى إليهم؛ وترى القنوات توزّع الأكاذيب، وما على المشاهد إلا أن يأخذ جرعته اليومية التي أدمن عليها؛ فهي كما قال [ڤولتير لروسو]: "أنت تسرّ الناس، ولا تعالجهم".. اِستمعْ إلى القنوات وإلى خطابات المتحزّبين المدوّخين، لتتبيّن الكمَّ الهائل من الألفاظ المضلّلة، والأقراص المسكّنة، والتفِتْ إلى الظلاميين الذين يعرفون حتى [ما وراء الطبيعة]، عندما يقولون مثلا للمغرَّر به الذي سيفجّر نفسَه ويقتل غيره: [اَسْرِعْ لتلحق العشاء مع النبي في الجنة، وأن إحدى حور العين متلهّفة إلى لقائك في قصرك]..

ألم تسمعْ دُهاة منطق التبرير، يبرّرون الخيبات بعبارات تخدع بجرسها عندما يقولون: "السياسة فنّ الممكن.. ليس في السياسة خطوط حمراء.. التصويت حق وواجب.. الأغلبية.. الغاية تبرّر الوسيلة.. الانتخاب يمكّن المواطنَ من المشاركة في الحكم.. كثرة الأحزاب دليل على الديموقراطية.. ثم مصطلحات مثل: الدَّمقرطَة.. المأسَسَة.. تخليق الحياة السياسية.. وآخرون يبرّرون الفِسْق بعبارات: حرية شخصية.. حقوق الإنسان.. حرية التعبير.. "تفاهات" في خدمة التنمية.. ثم ماذا؟ محاربة الفساد.. رَبْط المسؤولية بالمحاسبة.. وكلها كلمات إما تبرّر للفاسدين فسادَهم، وإما هي عبارات لا تجسيدَ لها في الواقع؛ وفي بحر أمواج هذه المصطلحات المضلِّلة يغرق المواطن، ولا يعود يدرك الصحيح من  الخاطئ، وهو ما يسمّى [le bastonnage]، وبه ضلّل [غوبَلز] الألمان ذات يوم، واعتبروا الخطأ صوابا ووطنية، ولم يطرحوا أسئلة حتى صُوِّر لهم الظلمُ عدلا، والهزائم انتصارا، وصار [هتلر] رجلاً لا ينطق عن الهوى.. هذا ما يحدث اليوم في بلادنا، حيث صار قطْع الأرزاق إصلاحا، وضخامة أجور الوصوليين وامتيازاتهم قانونا لا يناقَش، تماما كما لم تكن تناقش حيازات رهبان الكنيسة، وكل من ناقشها كان يُقْتَل لأنه مرتدّ، ويعترض على القسمة الإلاهية.. أليس هذا هو ما يحدث في بلادنا؟ فعندما تخرج مظاهرة تافهة تُؤْخذ باللين، حتى وإن لم يُرخَّصْ لها؛ لكن إذا خرجت مظاهرةٌ من أجل الحقوق، وُصفت باللاقانونية وبالعقوق، وتناسلت العبارات وأشباه الألفاظ لإدانتها، وتبرير قمْعِها باسم قانون يبيح لهؤلاء، ويمنع هؤلاء..

قانون يغدق على هؤلاء، ويحرم هؤلاء.. قانون يحاكم الصغار، ويُعفى منه الكبار.. ومع ذلك، نعتبر الأمر عاديا، وهو ليس كذلك؛ فليس من السهل كما قال أحد المفكرين طردُ فكرة خاطئة لأنها تكون قد ترسّخت في ذهننا، وما أكثرها وهي الأصل في غبائنا، وهو ما يخدم مصلحة السياسيين الكذبة، ورجال الدين المكرة، وهم يستثمرون بلادتنا وسذاجتنا، وقد نامت عقولنا، وتعطّلت ملكاتنا، فصار كل شيء طبيعيًا، أو هو من قبيل القضاء والقدر، فصرنا نكره بل نكفّر كل من يريد مراجعة هذه الألفاظ الخادعة..

نعود الآن إلى [بيرْكلي] وفلسفته القائلة: [الشيء الوحيد الموجود، هو ما نراه وندركه].. هذه الفلسفة، سُمِّيت [لا مادية بيركلي] لأنها تشكّك في الوجود المادي.. عثر مفكرٌ في وتدٍ حديدي، وتأذّت ساقُه؛ فجذب الوتدَ من الأرض ورماه غاضبا ثم قال: [وهل هذا غير موجود يا بيركلي؟!].. هذه الفلسفة تخدم مصالح المدوّخين بالدين، والذين يقنعون الناس بأن هذا الوجود وهمٌ خادع؛ فيما هم يتمتّعون بمادياته.. كما تخدم أصحاب السياسة، لأنك عندما تتحدث عن الفقر، والبطالة، والمرض، والظلم، والشطط، يعترضون على ذلك بكون كل هذه المعاناة والمآسي، غير موجودة في البلاد.. لماذا؟ لأنهم في مكاتبهم العالية، والموصدة أبوابُها ونوافذها، فهم لا يرون الواقع، وما يعجّ به من مآسٍ وفظائع؛ لأنهم حسب [بيركلي] إذا كانوا لا يرونها ولا يدركونها، فهي بكل بساطة غير موجودة، لأن الموجود هو ما يدرك فعلا، وهم لا يرون شيئا من مكاتبهم، أو لا يريدون أن يروا الواقع كما هو في الواقع.. قد يعْجَب القارئُ الكريم، إذا قلتُ له إن عددا من المشاكل، والمظالم، والأزمات تنشأ من غموض اللغة، ومن عدم وضوح الألفاظ، ومن خُلو العبارات من الدقة؛ بل هو ما يحصل بين شخصين بسبب الألفاظ غير المحدَّدة، وكل واحد يفهمها حسب هواه.. فإذا كان الأمر كذلك بين شخصين، فما بالك بغموض اللغة، واللعب بالألفاظ في مجال الدين، والسياسة، والإعلام.. فلو أدخلتَ كل هذه العبارات إلى مختبر التحليل اللغوي، لألفيتَها فارغة من أي مضمون، ولا مقابل لها في دنيا الواقع، والناس ألفوها، واعتبروها واضحة، ومفهومة، وهي ليست ذلك إطلاقا.. ولهذا، فما دامت الألفاظ غامضة، والعبارات غير دقيقة، والشعب لا يطرح أسئلة، فالظلاميون بخير، والسياسيون بألف خير؛ هذا هو الواقع مع كامل الأسف، على امتداد رقعة الوطن العربي البائس.. وكل المفكرين العرب الذين نادوا بتحديد المفاهيم، ومراجعة الألفاظ المستعملة كلهم نُكِّل بهم، وصودرت كتبهم، وأُهمِلوا حتى دُفِنوا دون طقوس أو مراسيم تغمّدهم الله برحمته…



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق