لا تصدّقوا أهلَ التضليل وهم يدّعون الصدق في التحليل!

لا تصدّقوا أهلَ التضليل وهم يدّعون الصدق في التحليل!

2016-10-30 12:04:47

يقول مثل صيني مشهور: [اِحْذر ما تريده].. ينطبق هذا المثل على الذين يلهثون وراء السلطة والمال، ويدفعون كثمن، مبادئهم، وكرامتهم، وثقةَ الشعب بهم، ثم ماذا يُضيرهم لو ربحوا الدنيا وخسروا أنفسهم؟ لقد عجّ التاريخ بمثل هؤلاء على مدى العصور إلى درجة اعتماد الخيانة، ولبْس أثواب المهانة لبلوغ هذه المكانة الرخيصة الزائلة؛ فمنهم من يلقى سوءَ أعماله، ومنهم من يموت بعدما أُلقي به في مزبلة التاريخ، فلا مال أخلده ولا منصب منْ مكر التاريخ أنقذه، ولا مجتمع بالخير ذكره.. وسوف نسوق ها هنا كمثال لهؤلاء، ممّن لم يحذروا ما كانوا يلهثون وراءه، ويخدعون من أجله، ويكذبون، ويتملّقون، وينافقون للظفر به، حتى أتاهم اليقين ولو بعد حين، ولو بعد سنين، وما كانوا لذلك من المتوقِّعين..

كان الفيلسوف البريطاني [فرانسيس بيكون] فيلسوفا شامخًا، يحترمه الجميع في أقاصي الدنيا، وقد حمل مشعل النهضة في إنجلترا؛ يقول في حقه الناقد [سورْلي]: "لقد اعتقد [بيكون] أنه وُلد لخدمة البشرية، واكتشاف الحقيقة، ورفاهية بلاده".. وذات يوم، اكتشف كتابَ [الأمير] لماكياڤيللّي، فأُعجِب بوصاياه، ومكره، وشرّه، وطرقه لبلوغ مراده؛ فهتف قائلا: [لقد هداني هذا الإيطالي إلى ما كنتُ أبحث عنه!].. وماذا كان يبحث عنه؟ وإلى ماذا هداه؟ الجواب نجده عند فيلسوف آخر عندما قال: [العقول الكبيرة، ترتكب الأخطاء الكبيرة؛ إن العقل قد يصبح شاهِدَ زور..]؛ كيف ذلك؟ تحوّل [فرانسيس بيكون: 1626-1561] من خدمة الشعب ورفاهيته، والبحث عن الحقيقة، إلى انتهازي حقير، عندما عُرضت عليه مناصبُ كبيرة في الدولة، وقد بلغ به الطموح الجنوني مبلغا دفعه إلى أن يفعل ما تريد منه الحكومة؛ فشغل منصب المدّعي العام، فأقام دعوةً ملفّقة ضد الحقيقة التي كان يبحث عنها، وضد واحد من أفراد شعب كان يريد خدْمتَه ورفاهيتَه.. لقد أقام دعوة ضد صديقه الحميم [إيرْل أُف إسكَس] الذي أطعمه، وسقاه، وآواه، وأنفق عليه حتى أكمل درستَه؛ وقد أدّى [بيكون] المهمة على أحسن وجه، كما أرادت الحكومة، وأوصل صديقه إلى حبل المشنقة؛ فقال فيه الشاعر [أليكساندر بوب]: "كان بيكون أعقل الناس؛ وألمع الناس؛ وأعرف الناس؛ وأنذل الناس" وهذا لعمري، هو حال اللاهثين على السلطة اليوم، لكنّ [بيكون] لم ينتبه إلى تحذير [ماكياڤيللّي] حين قال: [اِحْذروا مكر التاريخ؛ فلا مستحيل في التاريخ]؛ وكيف لا، وقد جُرِّد [بيكون] من كل الوظائف؛ وانتهى به المطاف في غياهب السجن، وبقيت فترة مناصبه ومكاسبه، وصمةَ عار تلطّخ سجل حياته، يذكرها التاريخ ممزوجة بأمجاده في مجال الفلسفة، والفكر، والمعرفة، وقد ندم الفيلسوف ندما كبيرا، في وقت هيْهات أن تنفع فيه حسرة، أو يجدي فيه ندم!

ذاك هو حال من يكذبون على الشعب، من أجل الاستوزار، ويخونون مبادئ طالما تشدّقوا بها، ويرتمون ترْهَقُهم ذِلّة في أحضان [بنكيران] الذي طالما انتقدوه، وفي حملاتهم اتهموه بأبشع التهم، ووصفوه بأبشع الأوصاف، واليوم صار سيّدهم، ينحنون أمامه، ويخنعون له، وهو يتعمّد إذلالهم، وكأنه يقول للشعب الغاضب: [والآن، ما الفرق بيني وبينهم، وقد وقفوا كلهم ينتظرون مني ألْقمُهم عظاما، وأقتسم بينهم فريسةً، على شكل وزارات، أقسّمها عليهم إمعانا في إذلالهم..].. كلهم بلا استثناء، يدّعون الوطنيةَ والإصلاح وخدمة الشعب، وهي من أكبر الأكاذيب.. فكيف سيخلص للوطن مَن لم يخلص لمبادئه؟ كيف سيُصْلح أحوال الشعب مَن لم يصلح أحوال حزبه؟ كيف سيخدم الأمّة مَن كان خائنًا لوعده؟ كيف سنقرأ كتابه الذي وقّعه منذ شهر، وسلوكاتُه تناقض أقوالَه؟ كيف سنثق بمن قال: إلغاء صندوق المقاصة خطٌّ أحمر؛ المساس بصندوق التقاعد خط أحمر؛ الزيادة في الأسعار خط أحمر؛ والآن تبيّن أن تلك الخطوط الحمراء كانت كلها مجرد دخان أحمر، في مهرجانات الكذب والنفاق، بعثرتها رياحُ الوصولية والانتهازية العمياء..

ثم تجد أقلام الضلال المعروضة في سوق الأدوات المستعملة تبرّر الخيانة بمنطقها الفاسد: [ليس في السياسة خطوط حمراء.. السياسة فنُّ الممكن]؛ فهل بهذه السياسة تقدّمت اليابان والصين، ونهضت مجدّدا ألمانيا، وفي بضع سنين عادت روسيا إلى الواجهة؟ هل بأشباه هؤلاء، سيتحرر المغرب من أغلال الديون التي ترهقه؛ بل هم مَن برواتبهم، وسرقاتهم يعمّقون المأساة، ويتطاولون على الأقوات، ويزيدون في عدد العاطلين الذين يستقطبهم دعاةُ الظلامية والإرهاب.. هذه الأقلام التي تبرّر الأشباه السياسيين خذْلانَهم، هي نفسها التي برّرت ذات يوم "للمهرولين" ارتماءَهم في أحضان إسرائيل، خلال أيام [أوهام السلام]، حتى سفّههم "شيمون بيريز" بمجْزرة [قانا]؛ فلا تصدِّقوا أهل التضليل عندما يدّعون التحليل!



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق