"السيدة" الديموقراطية تتعرّض لنكاح السِّفاح ولنكاح الرَّهْط

"السيدة" الديموقراطية تتعرّض لنكاح السِّفاح ولنكاح الرَّهْط

2016-10-31 12:31:10

يرى نقاد الديموقراطية، أن الديموقراطية تحتاج دوما إلى تنقية، وإلى تشذيب، وتجديد، وكفاح يومي، مثلُها مثل الحرية؛ فهي لا تُعطى مرةً واحدة، أو دفعة واحدة، بل هي كفاح مستمر، وإلا مُسخت، وعَلقت بها شوائبُ تلوّثها، فتستحيل إلى هيكل فارغ بلا مضمون، بحيث ينفُذ إليها من لا يؤمنون بها أصلا، وإنما يستخدمونها ولا يخدمونها؛فإذا هي لفظة من أشباه الألفاظ، التي لا مقابل لها في الواقع، تخدع السامع بجرْسها فيما هي لفظة بلا محتوى، ولا يمكن أن تُعْتبر من الكلام المفهوم أصلا كما يقول [التجريبيون].. هذا ينطبق تماما على "الديموقراطية" المنكوبة في بلادنا والتي صارت مرْأة يمارس عليها المتحزِّبون الفسقة [نكاح الرّهط] ويطؤُها الوصوليون الزُّناة عبر ما كان يسمى: [نكاح السِّفاح]، ونتيجةً لهذين النوعيْن من النكاح اللاشرعي، تنجب الديموقراطية بعدما عُهِّرت، نسلاً لا شرعيا في البرلمان، وفي الحكومة، ويسود في البلاد جوٌّ من الفساد لا تخطِئُه العين؛ وهو ما نراه الآن في التشكيلة الحالية لمجلس النواب الذي عجّ بأعضاء الأسرة الواحدة، وبالأقارب، والأصحاب، وسوف تشكّل حكومةٌ من طينة هؤلاء، وبذلك سيتأكّد بالدليل ما عناه مفكّرون حين قالوا إن الديموقراطية قد تؤدّي إلى ديكتاتورية الأقلّية، تحكم الشعبَ باسم الشعب، فيما هو منها براء..

مثلُ هذه الديموقراطية، هي التي فشت في عهد [نابليون الثالث]، التي سَخِر منها فلاسفة من أمثال [سارتر]؛ ففسدت الإدارة، ودبّ الضعف في أوصال الدولة، وتذمّر الشعب، وسيطرت الأُسَر على مراكز القرار، ولم يستفد [نابليون الثالث] من أخطاء سياسة [نابليون بونابارت]، وكانت النتيجة أن هُزمت فرنسا الذّليلة سنة 1870 أمام [بروسيا]، تماما كما هُزم [بونابارت] أمام روسيا بقياة [كوتوزوف] سنة 1812، وفي معركة [واتِرْلو] ببلجيكا سنة 1815 أمام [إنجلترا] على يد [ويلّينطون].. قد يقول قائل: وما علاقة هذا بوضع بلادنا؟ الجواب هو أننا نحن محاطون بأعداء وحاقدين ولنا خصوم يريدون المسَّ بوحدتنا الترابية، ولنا خونة في الخارج؛ فإذا تهافتت سياستُنا، وتردّت أوضاعُنا، وأُسنِدت الأمور إلى غير أهلها، ومُنحت المناصب للمتكسّبين وللفاشلين، ومُلِئت مؤسساتنا بضعاف النفوس، وذَلّت بلادُنا، وساءتْ أحوالنا، وأفلست خزينتُنا وجاع شعبُنا، وترسّبت الهموم في الأنفس، وبُذّرت وأُهدرت أموال الأمّة، فإن ذلك يجعل الخصومَ سعداء، ويشجّع الأعداء على التجرؤ على البلاد، لعلمهم بأنها تعاني من الخواء.. ألا ترى مثلا ما حصل في مشكل صحرائنا المسترجعة مؤخرا؟ هل رأيتَ حزبا كان في مستوى التحدي؟ أوجدْتَ حكومة صلبة عند النزال؛ بل رأيتَها جريئة فقط تجاه شعب، تنسف حقوقه، وتضرب قوتَه، وتزيد في امتيازات الفاشلين والأكلة؟ أرأيتَ لحكومة أو لأحزاب نجاحا في الدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح العليا؟ كلا! هل رأيتهم متحمّسين وغاضبين كما هو حالهم في السباق نحو البرلمان والاستوزار؟

ألم ينصّب [نابليون] أحبابه، وأصحابه، والمقربين له، وأزواج صديقات زوجته في كل مؤسسات الدولة، وأبعد المفكّرين والأكفاء، بل سمّاهم [الإيديولوجيون] تحقيرًا لهم بسبب اعتراضهم على سياسته؟ ألم يلجْ برلماننا اليوم، أسرٌ، وأقارب، وأصحاب؟ ألا تعلم أن الأب، والأم، والبنت، وهي في ربيعها 21، كلهم صاروا برلمانيين، سيديرون وسيشرّعون لأمّة بأسرها، وعندما ستبلغ البنتُ سن 26 من عمرها ستتمتّع بتقاعد لم يحصل عليه من قضى 30 أو 40 سنة في المكتب، أو المصنع، أو الحقل، أو القسم في قمم الجبال؟ ألم تَرَ أن وزيرا فضّل المنصب على حزبه، والآن عاد إليه؟ ألم تَرَ زعيم حزب استقال من حزبه، وترشح باسم حزب [سيّد قومه]؟ ألم تَرَ مناضلا فضّل الفانوس على الحصان الأبيض، حفاظا على أملاكه وامتيازاته؟ ألم تَرَ برلمانيا ولج القبة منذ أول برلمان وما زال فيها حتى أمسى أقدم من البناية نفسها؟ ألم تَرَ زعيما كان وزيرا منذ الثمانينيات وما زال؛ والآن يدوّخنا بأن مشاركته في الحكومة منوط بالمجلس الوطني للحزب، فيما هو رئيس الوكالة؟ ألم تَرَ مشتبهًا به يريد أن يصبح وزيرا؟ ألم تَرَ زعيما غادر الحكومة خلال الأولى وكان يردد: الزيادة في الأسعار خطّ أحمر.. المسُّ بصندوق المقاصة خط أحمر.. المسّ بصندوق التقاعد خط أحمر.. بنكيران ضرب حقوق المواطنين، كل تلك الأقوال تبدّدت، والآن صار يتملّق لبنكيران ليناوله عظما (يكدّده) كما قال [سارتر] ذات يوم في حق [مالرو] الشيوعي الذي ارتمي في أحضان [ديغول]؟ ثم ترى مهرّجين يسمّون تعسّفا [محللون] يسوِّقون خناشيشهم في القنوات، يتحدثون عن السيناريوهات الممكنة في تشكيل الحكومة، وكأن هذه الأحزاب أحزاب حقيقية، وكأنهم هم أنفسهم [محللون]، فيما هم في الواقع مجرد مهرّجين، أدمغتُهم أفرغ من بطن أمّ موسى؟ بالله عليكَ سيدي القارئ الكريم؛ هل هؤلاء كلهم يحترموننا، ويعتبروننا كائنات عاقلة؟ هؤلاء يجب أن يُلْقى بهم إلى [L'arrière cour de l'histoire]..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق