حبّذا لو كانت مرجعيتهم إسلامية حقّا وصدقًا

حبّذا لو كانت مرجعيتهم إسلامية حقّا وصدقًا

2016-11-02 12:47:36

يجدر بي في البداية، أن أذكّر بنظرية أو فكرة قالها [ديكارت] في كتابه [مقالة في المنهج]؛ جاء فيه أن الله سبحانه وتعالى، قد وزّع العقل بالتساوي بين البشر؛ وليس المهم أن يكون للمرء عقلٌ جيّد، ولكنّ الأهم هو طريقة استخدامه.. ونحن المغاربة لنا عقل، لكنّ مصيبتنا تكمن في طريقة استخدامنا لعقولنا استخداما سيئا، وهو ما يبرّر تخبّطنا في أوحال التخلف.. فنحن نستخدم عقلنا في أضيق نطاق، وهو نطاق الوصولية، واللهاث وراء المناصب، والبحث عن المصالح الشخصية، وهو ما نراه الآن في الأحزاب، والحكومة، والإدارة، والمدرسة، والمسجد؛ وكلها تُخرّج وتُنْشئ مواطنين يتهافتون على مطامع الدنيا، وجواذبها، وما الوطنية إلا ستار يخفون وراءه مقاصدهم، وأهدافهم الشخصية، وهو ما عناه [نيتشه] بقولته المشهورة: [الوطنية كذبة كبيرة]؛ ونظرة واحدة إلى واقعنا تؤكّد صدق هذه القولة..

تأتي هذه المقالة متزامنة مع خبر نشرته (وكالة الأنباء الصينية) يوم الثلاثاء 25 أكتوبر 2016، مفاده أن المدّعي العام، استدعى مسؤوليْن كبيريْن للتحقيق معهما في قضية فساد، وفي المقابل سوف يجتمع الحزب الشيوعي لمدة أربعة أيام، لتدارس القضية، ولمساءلة الرئيس عن كيفية إفلات هذيْن المسؤوليْن من المراقبة، وكما سبق وأن قلتُ، فإن المناصب العليا لا تؤمّن الحماية لأحد في الصين؛ كما أن الشعب يراقب الحكومة وكذلك الحزب الشيوعي، وقد يخْرج في احتجاجات مندّدة، وهو ما يمثل إحراجا للدولة، ولا تقابل هذه الاحتجاجات بالقمع كما يحدث ببلادنا الديموقراطية.. فلو كان مثلُ [بنكيران] ووزرائِه، وأعضاء برلماننا في الصين، لكان مآلهم السجن، ولسُئل [بنكيران] عن كل الملايير التي بذّرها في حملات صورية، ولسُئلَ عن رواتب عالية، ولسُئل عن 70 مليونًا كمنحة لمن انتهت ولايتهم، ولاتُّهِم بالخيانة للوطن ولحُوكِم..

تجد بعض الأقلام تتحدث عن النخب، وأنا أتساءل عن أية نُخب يتساءلون، وهذا [ماركس] يقول إن المؤسسات الفاسدة، تنْشِئ خلقا فاسدا، وهذا صحيح بلا ريب؛ فهذه التي نسمّيها نُخَبًا تَخَرجت من أحزاب فاسدة، على رأسها زعماء فاسدون، والنتائج ظاهرة للعيان، ولا تحتاج إلى برهان، بل إن هؤلاء الزعماء أنفسهم، لا يؤمنون إطلاقا بمبادئ أحزابهم، وهي مبادئ صيغَت للتضليل، وما رأينا واحدا منهم أخلص لها في حياته، أو ظهرت في سلوكه.. فحتى [بنكيران] الذي يدّعي كذبًا بأن حزبه ذو مرجعية إسلامية، نرى أن هذه المرجعية المزعومة منتفية، فحبّذا لو كانت له خلفية إسلامية، بل هي مرجعية للتضليل، والتعمية؛ لماذا؟ لأن الإسلام هو عقيدة يعتنقها الفرد، وهي مسألة شخصية صرفة، وهي كذلك منهج وسلوك، ثم لا إسلام لمن خالف سلوكُه إيمانَه.. فهل الإسلام يقرّ أن يضرب المسؤول قوتَ رعيته ليزيد في امتيازات حاشيته؟ هلِ الإسلام يقرّ أن يبيت المسؤول وهو خائن لأمته؟ هل الإسلام يقرّ ضرب التعليم، وتحويله إلى تجارة، والنبي الكريم يقول إن العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة؟ هل الإسلام يقبل بأن تُعطى المسؤولية لمن يلهث وراءها؟ هل الإسلام يقرّ بالثراء الفاحش، ثم ينصرف الثّري دون محاسبة أو مساءلة؟ ثم هل وهل وهل؟

الجواب: كلاّ وألف كلاّ! وبما أن [بنكيران] يدّعي مرجعيةً إسلاميةً سنخاطبه ارتكازًا على هذه المرجعية، لنُظهر للناس كذبه عليهم، ونفاقه من أجل مطامع الدنيا الورهاء، وسنعتمد على قصص الأنبياء الذين أتاهم الله علمًا وحكمًا وسلطانًا، وسنختار منهم [سليمان].. لم يعرف وجه البسيطة مملكةً أعظم وأقوى من مملكة [سليمان].. المسلمون يدعونه [نبي الله سليمان]؛ واليهود يسمونه [سليمان الملك]؛ والمؤرخون يلقبونه [سليمان الحكيم]. (سليمان) سخّر له الله الريح تجري بأمره؛ وعلّمه منطق الطير؛ وكانت مملكته غنية، تقذف النّحاس من باطن الأرض؛ وكان جنوده من الإنس والجنّ؛ وكانت كل الحيوانات تساهم وتحْرص دون كلل على حماية التراب الوطني، وكانت دولته دولة مؤسسات، وكان يحيط [بسليمان] مستشارون من أهل العلم والمعرفة، فكان يفضّلهم على الجنّ؛ وهكذا بالجملة، آتاه الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده كما جاء في القرآن الكريم.. مات (سيدنا سليمان) عليه السلام، وهو متّكِئٌ على عصاه في إحدى قاعات قصره، ولم يجرؤ أحد على الدخول عليه دون إذنه، لرهابته، وسمو قدره، ومنزلته.. فظل ميّتا لمدة 40 سنة، وهو يبدو من بعيد للناظرين كأنه حيّ؛ وسارت أمور الدولة دون اضطراب أو خلل، بفضل التنظيم، وبفضل المؤسسات التي أنشأها سليمان، وبفضل المسؤولين المخلصين من إنس وجنّ وحيوان؛ فلم يكن هناك غِشّ أو اختلاس في تلك الدولة الغنية.. الفترة التي قضاها [سليمان] وهو ميّت قبل دفنه؛ هي نفسُها الفترة التي سيتأخّر بها عن الأنبياء الذين سيكونون قد دخلوا الجنّة؛ لكنْ لماذا سيتأخر بعدهم بـ40 سنة في الآخرة؟ السبب هو أنه كان ملكًا ومسؤولاً، وسيُدقّق الله عزّ وجلّ معه، وسيسائله لأن المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة [وإن كان مثقالُ حبّةٍ من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين] صدق الله العظيم والتعليق للقارئ الكريم.



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق