هي أزمة الإنسان المغربي المقهور بوجه عام

هي أزمة الإنسان المغربي المقهور بوجه عام

2016-11-03 12:27:10

يقول كاتبٌ كبير بأسلوبه المشحون بالآلام والشجون: [أنت تنظر بعين الوهم، فترى الناس يرتعشون أمام عاصفة الحياة، فتظنّهم أحياء وهم أموات منذ الولادة، ولكنهم لم يجدوا من يدفنهم، فظلوا منطرحين فوق الثرى..].. لكنّ المغاربة "لحسن حظهم" وجدوا من يحرق جثثهم، ويكسر عظامهم، ويقطع أرزاقهم قبل أن يقطع أعناقَهم.. ويقول الكاتب الأورغواياني الشهير [دَوارْدُو غالْيانو]: "إن أسوأ ما يمكنك ارتكابه بحق المواطن، هو أن تسلبه قوتَه، وهذا أسوأ من قتْله؛ فلا تتلاعبوا بأرزاق الناس، وتقطعوا أملهم في الحياة..".. لقد قال جلالة الملك في قبة البرلمان، عبارةً صادمة وصادقة شكلا ومضمونا وتجسيدا في دنيا الواقع وهي: [لا قيمة للمواطن عندكم..].. كان ذلك يوم الجمعة 14 أكتوبر 2016، وما يجعلها عبارة صادقةً، هو ما حدث بعدها مباشرة منها ما حدث في إحدى الثانويات بالرباط يوم 25 أكتوبر، حيث أحرق تلميذ جسده في مكتب المدير بسبب وعود كاذبة؛ وقيل له: "اِحرقْ جسدَك؛ فمِثلُك أعداد قاموا بذلك".. ويوم الجمعة 28 أكتوبر بالحسيمة، طحنت آلةُ طحْن القمامة عظامَ [محسن فكري] وقيل: "إطْحَن مُّو".. وقد كان بودّي كتابة مقالة حول التهمة المجّانية التي لُفِّقت للمواطن والفنان "سعد لمجرّد" في باريس الأنوار، لأنه لا يستحق إقامة حفل في [قصر المؤتمرات] فجعلوا منه [ساديا] وتُهمتُه في الحقيقة هو أنه مغربي؛ والمغربي لا قيمة له في وطنه، فما بالك به خارج بلده، وما حدث [لـمُحسن فكري] بالحسيمة يفسّر ما يحدث لكافة المواطنين ممّا يندى له الجبين، والحقيقة هي أزمةُ الإنسان المغربي بوجه عام؛ وهي الأصل في كل الآثام.

إذن لماذا سنستاء مما قد يحدث للمواطن في الداخل أو في الخارج وهو يحمل ذُلَّه من وطنه وتُهمتُه هي "مغربي"؟ لو حدث مِثلُه لفرنسي، أو أمريكي أو بريطاني مثلا في المغرب، وكانت التهمة حقيقية، لأُطلِق سراحُه فورًا، ولقيل [ديبلوماسية la raison d'état]، ومأساة [محسن فكري] ضحية "الذهب الأبيض" وهو السمك المحرّم عليه، تفسِّر معاناة المواطن في بلده، بل هو ما يفسّر الذل الذي يعانيه المغربي الذي أصبح دمه رخيصًا وحياتُه بلا قيمة.. لقد رأينا ما حدث لوزير مغربي وزعيم في المطار في باريس، حيث فُتِّش كإرهابي، وقد كان من الممكن أن تُدَسَّ في حقيبته قطعةُ مخدرات أو سلاح، وقد رأينا ما حدث "لـسعد لمجرد" وقبله "عمر الرّداد" الذي اتُّهم بجريمة قتل وكان متهَمًا جاهزا ورأينا قيمةَ سفير وما تعرض له ضابطٌ كبير من سبٍّ، وهو على فراش المرض في مستشفى عسكري محروس في باريس؛ ورأينا كيف وُصف المغرب بالعاهرة من طرف ديبلوماسي تافه في فرنسا؛ ورأينا، ورأينا، وكل ما رأيناه أصلُه وطنٌ لا كرامة فيه لمواطنين، ولا قيمة فيه لإنسانيتهم ولأرواحهم..

لقد تم اصطياد السمك في أعالي البحار ولم يحدث شيء؛ وبيع علانيةً في ميناء الناظور ولم يحدث شيء؛ ولكن لما أراد الضحية بيعَه في الحسيمة، حدثت المأساة؛ وظهر أن ذلك السمكَ ممنوع اصطيادُه، وهو ما كان يحدث أيام [الوزغ بن الوزغ] كما لقّبهما النبي الكريم، وأعني بهما [مروان وأباه الحكم] اللذين كانا يصادران كل سلعة كان مقصورًا شراؤُها على [الوزغ وابنه]؛ وهذا كان من أسباب كثيرة تراكمت فتفجّرت الفتنة الكبرى.. والفتـنُ تاريخيا يكون سببها قطْع الأرزاق وتفشّي المظالم، وهو ما يؤكّده التاريخ بالأمثلة الواضحة.. لقد عانيتُ من تنقلات مكّوكية قاسية بين طنحة والفنيدق نتيجة ظلم أسودَ لحق بي؛ وطيلة 30 سنة، شاهدتُ في الطريق جرائم ضد الإنسانية؛ وعاينْتُ تدميرا ممنهجا للاقتصاد الوطني؛ وكنت شاهدا على الرشوة الفاضحة، وأناس أثروا حتى تخلّوا عن بَزّة الدولة؛ ورأيتُ المواطنَ يشتري سلعة من "سوق المسيرة الخضراء" الموجود على بعد 200 متر من مخفري الشرطة والدرك؛ وعلى بعد 160 مترا من مقرّي الباشوية والمجلس البلدي، ولكن عند خروج المواطن من الفنيدق بأربعة كيلومترات، تُصادَر منه تلك السلعة أو يمْثل أمام المحكمة كمهرّب، فيما سيارات المهرّبين المحترفين، تمرّ بسلام [وتلتفّ الكف بالكف، وتُختَم بالله يخلف]؛ فترى الأرملة تُقذَف وتُرفَس بالأرجل، والزّبد يخرج من فمها، وهي تقول: [يا ولدي، أنا أعيل 6 أطفال يتامى، اِرْحمْ يرحمك الله]، فيجيبها الجلاّد: [هذا القانون] ثم يُقْرن ذلك بسبّ الدّين وشتْم الرّب، ولعْنة الله على الكاذبين.. ويقول العارفون بخبايا الأمور، إن التهريب على هذا الطريق يكلّف الخزينةَ شهريا بين  850 مليونا ومليار؛ وهو ما يعوّضه [بنكيران] بأقوات المواطنين؛ وهو ما أدى إلى إقفال عدة شركات، ومعامل، ومقاولات؛ مثْل هذا الظلم هو ما حدث فعلا لبائع الأسماك الذي طُحن جسدُه في الحسيمة.. أما في طنجة؛ فأنا بصدد كتابة تقرير بشأنها عنوانه: [أهي طنجة أم تِخْوانة؟] المدينة المكسيكية معْقل المافيات، والفساد، وملاذ المجرمين، والفارّين من القانون من شتى بلدان العالم.. والظاهر أننا الآن في تقدُّم، فبعد عمليات الشنق، وإحراق الأجساد، وصلنا إلى مستوى طحْن اللحم البشري، وهي عقوبة عُرفت بها المافيات في إيطاليا في السبعينيات بواسطة آلة طحْن السيارات القديمة، وكان ضحيتها المنافسون، أو عملاء الشرطة، أو الوُشاة أو الذين يمسّون بمصالح المافيات آنذاك.. ولكن لم نسمع في بلادنا أحزابا ندّدت خوفا من أن تُحرَم من حقائب وزارية أو من امتيازاتها وكافة حيازاتها…



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق