أزمة الديموقراطية النيابية

أزمة الديموقراطية النيابية

2016-11-04 12:45:44

ما هو المقياس الذي يمكن أن نقيس به ما يريده الشعب؟ هل هي الملايين التي تذهب لصناديق الانتخابات؟ أم الملايين التي تقاطع الانتخابات ؟. وحتى بعد إجراء الانتخابات، فهل أعضاء المؤسسات النيابية يمثلون الشعب ويعبرون عن إرادته بالفعل؟

عرّف الكثير من الباحثين الديمقراطية على أنها مجموعة من الإجراءات والمؤسسات التي يستطيع الأفراد من خلالها المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرة .  ولهذا، فإن هناك علاقة مباشرة بين عملية الانتخابات والديمقراطية التمثيلة، وفي هذا الصدد  وضع "روبرت دال" Robert A. Dahl الانتخابات الحرة والنزيهة ضمن شروط النظام الديمقراطي، بالإضافة إلى شروط أخرى، كحرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة، وحرية التعبير، وحرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة.

وإذا كانت الانتخابات الحرة والنزيهة هي ذروة الديمقراطية عند "روبرت دال"، فإنها، في نظرنا، تكتسي طابع النسبية، في التعبير عن الإرادة الحقيقية لأفراد المجتمع. فحتى وإن كانت الانتخابات حرة و نزيهة، فإنها أحيانا لا تفرز الخريطة السياسية الحقيقية للبلاد، في حالة العزوف السياسي، لما توجد نسبة كبيرة من المواطنين الناخبين لم تدل بصوتها أثناء يوم الاقتراع.

وعلى هذا الأساس، فإن نتائج الانتخابات التي تجرى في كثير من الدول لا تعكس، تمثيلية حقيقية، عندما تكون نسبة المشاركة ضعيفة. وهذه الظاهرة ليست لصيقة بدول العالم الثالث أو الدول النامية فحسب، و إنما نصادفها أيضا في الدول العريقة في الديموقراطية، بسبب العزوف السياسي، الذي أصبح ظاهرة عالمية نتيجة انهيار الإيديولوجيا. 

إننا نعيش، في وقتنا المعاصر،  "أزمة الديموقراطية النيابية"، في ظل العزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية وضعف الأحزاب وعدم قدرتها على تأطير المواطنين وتحسيسهم بأهمية المشاركة السياسية، وافتقاد هاته الأحزاب لثقة الجماهير لفشلها في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية. وعلى الرغم من ذلك لم تستطع النظم السياسية العالمية  التخلص من الديموقراطية، أو تجد بديلا عنها، وتبقى الأسلوب الأمثل لكل الأنظمة السياسية لإدارة نظام الحكم. كما يتفق العديد من المفكرين على أن النموذج الديمقراطي، ليس سوى أفضل نموذج من بين اختيارات سيئة.

فالانتخابات لا تعبر بالضرورة عن الإرادة العامة، حتى وإن مرت في شروط نزيهة وديمقراطية، وقد ذهب في هذا الصدد الباحث الألماني "كارل شميت"، Karl Smith، في القرن العشرين، إلى اعتبار أن البرلمانات فقدت قاعدتها الأخلاقية والفكرية، وعجزت عن أداء دورها بسبب صراعها مع الديمقراطية. ونفس الاتجاه عبر عنه الفيلسوف الألماني الشهير هابرماس Habermas الذي نشر عام 1973 كتاباً نقدياً بالغ الأهمية عنوانه «أزمة الشرعية في الرأسمالية المعاصرة» تحدث فيه عن أزمة الديموقراطية النيابية و"ما بعد الليبرالية".

إن النظام الديمقراطي في العالم يواجه تحديات متعددة، بسبب النقاش الدائر الآن حول إشكالية من يحكم: هل المؤسسات الديمقراطية الشرعية هي التي تحكم فعلاً أم هي الشركات العالمية الكبرى والأسواق المالية العالمية والبنوك المركزية أم جماعات الضغط الخفية؟

من الذي ما زال يشارك في العملية السياسية، وما هي المصالح التي تتم حمايتها والدفاع عنها، وهل هي مصالح الجماهير العريضة أم مصالح كبار الرأسماليين الذين ينهبون الثروة القومية في صورة عوائد رأس المال؟

ويقول نقاد الديمقراطية إنه لم يحدث في تاريخ البشرية أن الشعب حكم نفسه بنفسه كما يوحي منطوق كلمة الديمقراطية، وفي ذلك يقول جان جاك روسو إذا ما استعملت كلمة الديمقراطية الحقيقية في أضيق معانيها، لم توجد قط ولن توجد أبدا، لأنه مما يضاد النظام الطبيعي أن يلي الحكم العدد الأكبر  وأن يخضع للحكم العدد الأصغر". 

وبالتالي فإن التمايز بين الأنظمة لم يكن على أساس أنظمة ديمقراطية يحكم فيها الشعب أو أغلبيته من جهة، وأنظمة غير ديمقراطية لا يحكم فيها الشعب من جهة أخرى، بل بين أنظمة تحترم حقوق ومصالح الشعب وأنظمة لا تعير اهتماما ولا احتراما للشعب، وفي جميع الحالات فإن الشعب لا يريد أن يحكم بل يريد الحياة الكريمة وأن تؤخذ مطالبه بعين الاعتبار. وبالتالي فإن الشعب الذي تتضمنه مفردة الديمقراطية هو حالة افتراضية. 

ونجد "جوزيف شومبيتر Schumpeter Joseph" في كتابه (الرأسمالية والديمقراطية) ينتقد بشدة التفسير الذي يقول إن الديمقراطية تفترض حكم الشعب، واعتبرها مجرد خرافات، فالشعب في نظره أعجز من أن يتمكن من حكم نفسه بنفسه، والمواطن العادي في نظره يتسم بالقصور وعدم المبالاة أمام الأمور السياسية.

ومن ناحية أخرى، نلاحظ تزايد ظاهرة العزوف السياسي الذي أصبح بدوره يهدد ديموقراطيات دول العالم، حيث إن كتلة مهمة من الناخبين لا تعبر عن موقفها في الانتخابات إما جاهلة بالمصلحة العامة وبالأمور الاستراتيجية أو غير مؤهلة للمشاركة في تدبير الشأن العام، أو أنها منشغلة بهموم الحياة العادية وغير مكترثة بالأمور العامة والسياسية.

تلك أزمة الديموقراطية في وقنا المعاصر، مما يجعل الأقليات تحكم في الدول كتعبير عن الإرادة العامة المزيفة، وغالبا ما تكون هذه الأقليات هي المالكة للنفوذ المالي والثروة، وبالتالي تبقى الفئات الاجتماعية العريضة والمتضررة في المجتمع عرضة لعدم المبالاة والتهميش والإقصاء.



صاحب المقال : الشرقاوي السموني خالد
إظافة تعليق