المناطق المحرّمة على البحث في مأساة الحسيمة

المناطق المحرّمة على البحث في مأساة الحسيمة

2016-11-08 12:34:58

إن ما كنا نريد تجنبه قد حصل؛ فلقد أصبحت بلادنا مادة دسمة في وسائل الإعلام الدولية، بعد حادثة مقتل الشاب [محسن فكري] بائع السمك المتجوّل، وقد استغلّها خصومُ الوطن، ومروّجو أخبار الإثارة، كما استثمرها "فقهاء" التأويل، ليخلصوا إلى ما يريدونه، وما يسيء إلى سمعة الوطن؛ ومعلوم أن هذه الصورة السيئة تنعكس على المواطن المغربي بشكل عام، ومن خلالها يُنظر إليه أينما حلّ وارتحل، مهما كان مستواه في بلده، ومهما بلغ قدْرُه، ومهما كان منصبُه.. فنحن عندما نحتقر الفقير، ونهين المواطنَ البسيط، ونُمعِن في ظلم الشعب، فإننا نسيء إلى أنفسنا، لأن هوية "مغربي" تشملنا جميعا، وإذا ارتبطت في الأذهان بكل المآسي والمظالم ومظاهر التخلف، فإنّ سُمعتَك تحملها معك بل تسبقك، وإذا ما رأيتَ أحدًا يحتقرك، فاعْلم، كما يقول الوجوديون، أنك أنت الذي اخترتَ بأفعالك أن يعاملك الغير على هذا النحو أو ذاك.. فحتى أصحاب المناصب العليا، وأصحاب السلطة، والجاه، والمال، هم كذلك يُنظرُ إليهم من خلال هذه الصورة القاتمة، مهما توهّموا أن مستواهم يعفيهم منها وهذا خطأ؛ لأن لافتة [مغربي] تشمل الجميع أغنياء وفقراء، حاكمين ومحكومين، برجوازيين وكادحين، وهذه الصورة إيجابية كانت أو سلبية، هي مِن صنْعنا نحن جميعا، لأن ماهية الإنسان تتحدّد بأفعاله واختياراته..

نحن نعلم من تلقاء أنفسنا، أن المرحوم [محسن فكري] ما كان في الواقع يراد قتلُه، هذا مؤكّد؛ لكنّ التسرع، والعشوائية، وغياب الحكمة والتبصر كلها كانت وراء ما حدث، وهو ما يطلق عليه الفلاسفةُ اسم [الفعل المجّاني]، ويسمّيه آخرون مثل "ألبير كامي": [اللاّمعقول] لأنه فعلٌ لا تفسير منطقي له، ولا يُعرفُ لماذا، وكيف حدث، بل حتى الفاعل يجهل ذلك، ولا يملك الجواب عمّا حصل، وهو ما يعبّر عنه [ألبير كامي] في روايته [الغريب] عندما كان بطله [مورسُو] أمام القاضي في المحكمة؛ ولعلّ هذا ما عناه [سارتر] حين قال: "يولد الإنسان بلا سبب، ويستطيل العمر به عن ضعفٍ منه، ويموت بمحض المصادفة".. لكن كلّ هذه الاعتبارات الفلسفية لا تُغْني عن البحث عن الحقيقة؛ لكنّ الحقيقة ترعبنا، لذا ترانا نقف أو نبدأ من نُقَطٍ لا تؤدّي إلى الحقيقة كلها، وأعني هنا بالحقيقة، الحقيقة الظاهرية، لا الحقيقة الكامنة وراء الأفعال؛ وحتى بخصوص هذه الحقيقة الظاهرة التي تسبقها سلسلة حقائق متتالية مرئية، ترانا نأخذ منها ما يناسبنا ونترك ما يديننا خصوصا إذا كنّا قد ساهمنا بأفعالنا، أو بإهمالنا، أو بمصالحنا فيها؛ مما يجعلنا بإزاء شبه حقيقة نركن إليها، ونستأنس بها، ونسمّيها حقيقة، وهي ليست ذلك؛ كيف ذلك؟

تصوّرْ من فضلك، أنك أمام ستِّ كرات (بلْيارْدو) وكل كرة تدفع الكرةَ التي أمامها؛ وكل حركةِ كرةٍ سابقةٍ تعتبَر سببًا لحركة الكرة التي تليها ضمن سلسلة حركات متتالية؛ ثم الكرة السادسة والأخيرة هي التي تسقط في الثقب؛ فإذا أردتَ معرفة السبب الأصلي لتلك الحركات كلها، فهل ستبدأ البحث من الكرة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو؟ الجواب: كلاّ! ينبغي معرفة مَن دفع بالعصا الكرةَ الأولى، وهي السبب في سلسلة الأحداث التي عاينتَها حتى سقوط الكرة الأخيرة في الثقب؛ وهو الحدث الأخير والنهائي.. قد يقال وماذا تعني بهذا المثال التجريبي؟ أريد بهذا وصْف طريقتنا في البحث عن الحقيقة؛ بحيث نبدأ البحث عنها من الكرة الأخيرة، ولا نبحث عن السبب الأصلي؛ مما يجعل هذه الحقيقة ناقصة تماما، لأن البحث في السبب الأصلي يجعلنا نقتحم مناطقَ محرمة على البحث؛ سبق وأن قلتُ إن سؤالا واحدا يمكن أن يفجّر حقائقَ مرعبة، وهو ما يُغني عن ألف سؤال متهافت، وألف جواب لا طائل من ورائها.. فمن سمح لقارب صيد باصطياد سمك ممنوع اصطيادُه في هذه الفترة؟ من هي الشركة أو مالك هذا القارب، ومن هو "الرّايس" المشرف على الصيادين على متنه؟ أين كانت المراقبة عندما أفرغ القارب حمولتَه في الميناء؟ هل عاد ذلك القارب إلى الميناء بحمولة اشتراها كلَّها بائعٌ بسيط، أم هناك من اشترى وانسلّ؟ من باعه هذا السمك الممنوع اصطيادُه في ميناء هو تحت المراقبة؟ لماذا يتم اصطياد سمك ممنوع، هل ذلك يعود لرخص ثمنه أم لغلائه؟ لماذا ظهر القانون بعدما اختفى البائع، وصار السمك في حوزة المواطن المقهور، أو الحلقة الضعيفة في هذه السلسلة؟ إذا كان هذا السمك يتم اصطيادُه في مياه هي بدون مراقبة، ألا يعني ذلك أن سفنا أجنبية تسرق ثرواتنا البحرية؟ ألا يطرح هذا سؤالا خطيرا حول مراقبتنا لمياهنا ولثرواتنا، مما ينتج أنسالا من الأسئلة متعلقة بالإهمال، والتسيب، وأزمة ضمير، وإشكالية روح وطنية، وكفاءة مهنية؟ ألا يمكن لهذا السؤال أن يطرح قضية فساد يشمل كل القطاعات، ويطرح خبايا في شتى المرافق الأخرى؟ ألا يدلّل ما حصل على غموض القوانين في بلادنا بشكل عام، ويبرهن أن القانون يعمل في مناطق محددة، لكنه عاجز عن الدخول إلى مناطق أخرى ملغَّمة ومحروسة بشكل جيد، مما يجعله يشتغل في أضيق نطاق، ويقتصر على المناطق السهلة، ويبحث الآن عمّن شغّل آلة الطحن في شاحنة القمامة فيما القضية أعمق؟



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق