كيف نصدّق الخرافات الظلامية ونشكّك في الحقائق التاريخية؟

كيف نصدّق الخرافات الظلامية ونشكّك في الحقائق التاريخية؟

2016-12-20 12:37:31

عُرف كلُّ قرن من القرون بحروبه المدمّرة، وهكذا هو التاريخ البشري منذ عُرف للبشر تاريخ، يسجّل أحداثَهم، ويذْكر مآسيَهم، ولعلّ هذا ما عناه [هيغل] حين قال [التاريخ مأساوي في جوهره].. لكنْ كل هذه الحروب وراءها أيادٍ خفية، تخطط لها بغية تحقيق أهداف مرسومة، قد لا تكون للعامّة معلومة، وإنما يكشف عنها التاريخ بعد عقود طويلة، إلى درجة أن الناس لا يستطيعون تصديقها، وإن كانوا يصدّقون الخرافات في حياتهم.. فعندما تدور رحى حرب، فهناك من يغتني من ورائها، وهناك من يحقق أهدافا كان ينشدها، وهناك من يحتفل بنصر زائف، وهناك من يموت فيقام له قُدّاسٌ للتأبين والترحم، وهناك من يوظَّف من أصحاب اللغة وصُنّاع الكلام، ليبرّروا هذه الحرب أو تلك؛ فيضْفون عليها إيجابيات، ويصبغون عليها صبغة الضرورة والحتمية، لكن الأهداف الحقيقية تظل عن الناس خفية؛ بل إنهم لا يهتمون بها أصلا، ولا يرون داعيا لمعرفتها بعدما يعم السلام والأمن مجددا..

قال جندي بسيط، وهو في خندق من خنادق الحرب الأولى في [ڤيردان] غرب فرنسا؛ هذا الجندي الذي سيصبح كاتبا كبيرا يُدعى [جان جيُونو: 1970-1895] قال: [لقد قيل لنا إن هذه الحرب ستقتل الحربَ إلى الأبد؛ لكنها قتلت البشر، ولم تقتلِ الحربَ].. فلماذا وكيف نشبت الحرب العالمية الأولى، التي مهّدت للحرب العالمية الثانية الأكثر فظاعة ومأساوية؟ كان الكاتب [جان جوريس] يناهض الحرب الأولى، وكان صوته مسموعا، ورأيه محترما، وكان العمال ينفّذون آراءه، إذ طالبهم بمناهضة الحرب بعدم الامتثال لأرباب مصانع السلاح، إذا ما نشبت هذه الحرب التي تلوح بوادرُها، ويُسمَع من بعيد دَقّ طبولها، وكان هذا الرجل رجل سلام ذائع الصيت في كل أوربا، ومناهضتُه للحرب لم تكنْ تروق لمن لهم فيها مصلحة؛ فكان اغتياله أمرا ضروريا؛ فاغتيل، وهو يتناول طعام العشاء ليلة 30 يوليوز 1914 بثلاث رصاصات في مقهى [كرْواسُّون] بباريس.. وفي 26 يونيو 1914، اغتيلَ وليُ عهد إمبراطورية [هانغاريا ــ النامسا] (فرانز فيردينان) في [سراييڤو] هو وزوجتُه، فاشتعلت الحرب في يوم 03 غشت 1914، وقد يطول بنا الحديث لو دخلنا في التفاصيل؛ لكن دعْنا نقتصر فقط على ذكْر من كان وراء هذه المجازر.. وسوف نستمع لمؤرِّخ يُدعى [فيشر]، وهو اسْكوتلاندي يكشف عمن كان وراء ذلك..

يقول [فيشر] إن قتلةَ [فرانز فيردينان] كانوا أعضاءَ في منظمة إرهابية تُدعى [اليد السوداء]، وهي تابعة للماسونية.. وأثناء محاكمة [برينسيب]، وهو القاتل، اعترف بأن زميله [سيجانوڤيتش] أخبره بأنه كان ماسونيا، وأن [المحْفل] كان قد أدان حتى الموت وليَ عهد سُلالة [هاب سبورْغ] الأرشيدوق [فيردينان]، وأن إمبراطورية [هانغاريا ــ النامسا] ينبغي أن تزول، بالإضافة إلى إمبراطوريات أخرى قديمة.. ومعلوم أن هذه الحرب محتْ من الوجود أربع إمبراطوريات، وهي دولة الخلافة العثمانية في تركيا؛ وإمبراطورية [هاب سبورغ] في النامسا؛ وقَيْصَرِية [رومانوڤ] في روسيا؛ وإمبراطورية [ويلهيلم] في ألمانيا.. وبسبب هذه الحرب، عادت دول للظهور بعدما اختفت قرابة [1000] سنة، وهي [بولاندا وتشيكوسلوڤاكيا]، وانفصلت [هانغاريا] عن [النامسا] وهي دول ستكون سببا في الحرب الثانية بعد (20) سنة تماما كما تنبّأ بذلك الجنيرال [فوش]، وهذا ما يسمّونه في تعاليمهم [إعادة ترتيب العالم]..

والآن ما المراد بهذا الجرد العابر لأحداث، وأسباب، وأهداف الحرب العالمية الأولى؟ ما الفائدة من التذكير بذلك الآن؟ سؤال وجيه يخطر على بال القارئ النبيه.. يرى بعض فلاسفة التاريخ، أن الأحداث التاريخية تحدث في استقلال عن إرادتنا، وبمعزل عن تصميمنا، يعني أنها خالية من مبدإ [القصد]؛ لكنّ [سارتر] يرى العكس، إذ الأحداث التاريخية هي نتاج اختياراتنا؛ فهذا ليس تاريخ طبيعة بل هو تاريخ بشر؛ وكاتب هذه السطور يأخذ بنظرية [سارتر].. فلا تعتقد أن الحروب الدموية التي تدور رحاها الآن حصلت بمحض المصادفة؛ كلا! بل هي نتاج ترتيب مسْبق؛ فاغتيال [فرانز فيردينان] لم يكنْ إلاّ سببا مفتعلا، وذريعة لنشوب الحرب، بدليل أنّ ملكَ صربيا [أليكساندر] قتله إرهابي من كرواتيا في ميناء مرسيليا بفرنسا، ولم تنشب حرب بين البلدين.. فلا تعتقد أن مواطنا أحرق جسده في "تونس" كان هو سبب اشتعال هذه الحروب التي تدور الآن لو لم يكنْ مخططا لها سلفا.. فكيف، وبهذه السرعة، نشأت [داعش] وتوفّرت على أموال، ورجال، وأسلحة، وهو ما يتعذّر على دولة حقيقية، وقديمة، ومعترف بها دوليا؟ هل هذا معقول؟ ثم كيف لأمريكا التي حاربت في وقت واحد، ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، واليابان، ومنذ سنين حاربت صدام حسين بمفردها، والآن تراها تعجز أمام [داعش]؛ كمْ يلزمني من أقراص البلاهة كي أصدّق؟

فهذه الحرب الدائرة الآن، كان مخطَّطا لها منذ القدم، لإزالة أنظمة، ولخلْق واقع جديد، وإنشاء كيانات قزمية، يسهل التحكم فيها مستقبلا؛ ولإخفاء الطابع الحقيقي، والمقصَد الخفي، صُبغَت بصبغة الدين؛ والذين يديرون رحى هذه الحرب باسم الدين، ليسوا في الأصل بمسلمين؛ فهم فرسان [الهيكل] كما هو موجود رسْمُهم على جدران [المحافل]؛ وبذلك تُرسَم خريطةٌ جديدة، تمشيا مع عادة بداية كل قرن؛ بالإضافة إلى ضرب الدين، والتشكيك فيه، ونزعِه من قلوب المؤمنين كما تنص على ذلك تعاليمُهم بوضوح؛ وقد انطلت اللعبة على السّذج، وذوي العقول الدنيا.. فجماعة [داعش] وجبهة [النصرة] وغيرهما من التنظيمات، لا علاقة لهم بالإسلام إطلاقا؛ فهم يدمّرون الأرض، والإنسان، والبنيان وهذه مهمة [فرسان الهيكل] الدمويين؛ أما عمل [خدّام الهيكل] فهو التخفّي في منظمات لإفشاء المناكر، وضرْب القيم، والمسّ بالمقدسات لكي لا تبقى لها حُرمة؛ فتراهم يُضلّون الأبرياء، ويوظّفون الروايات والأحاديث المغلوطة، ويؤوّلون الآيات خدمة لأهدافهم، ويزعزعون استقرار بلدان آمنة، لإيقاف عجلة النمو، ويجعلون من الفسوق حرية، وحقوقا للإنسان، حتى تضعف هذه المجتمعات من الداخل؛ وهم غير متعجِّلين تمشّيا مع قاعدتهم المعروفة [Slow but sur] يعني (بطيء ولكن أكيد)، وهو ما نلمسه الآن.. فإلى متى سنبقى سجناء الضحالة الفكرية؟ متى سنستيقظ من هذا النوم العميق؟ متى نتخلّص من عنكبوت البلادة، وننفض عنّا غبار البلاهة؟ متى نكْنس خُدّام [الهيكل] المتخفّين وراء ستار الأحزاب، والمنظمات، والجمعيات الهدّامة؟ متى نمزّق الستار الذي يدّثر به أولئك الذين يتأنّقون بوشاح "خدمة الوطن"، تلك الكذبة الكبيرة كما سماها [نيتشه]؟ متى ومتى ومتى؟ الجواب: لستُ أدري!



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق