التربية والتعليم والتنشئة والعبقريات الشريرة: "ستالين" (2-2)

التربية والتعليم والتنشئة والعبقريات الشريرة: "ستالين" (2-2)

2016-12-22 12:39:04

هذه مقالات لم تُكْتَب للوزراء، ولا للبرلمانيين، وماشاكلهم من المتنفّعين، أو الضاحكين بالإصلاح على ذقون المواطنين.. هذه أسطُر لم نرِدْ بها إلى الوعظ والإرشاد، ولم نقصد بها إلى الإصلاح، حيث لا رأي لأقلام لا حول لها ولا قوّة أمام صوْلة الوصوليين، والتجار، والجَشعين، والنّاهمين، المتخفّين وراء الوطنية الكاذبة، والإصلاحات الوهمية، وإنما أصل هذه المقالات هو الشعور بالوطنية، والخوف على مصير هذا الوطن، وإنْ كانت كتاباتي لن تلقى آذانا صاغية من طرف من يصغون فقط لبطونهم، وينشغلون بملْء جيوبهم، غير مبالين بأمّة سوف تدفع ثمنا غاليا، بسبب سياساتهم، التي تنحو بالأمّة نحو هوّة سحيقة، لا بارقة من أمل فيها.. هؤلاء ببرامجهم النفعية، سوف ينتجون للمجتمع قنابلَ بشرية موقوتة، ويخلقون وحوشا كاسرة، وينشِئُون أجيالا تكره وطنها، وتتحوّل إلى قتلة، وإرهابيين سيمارسون نوعا آخرَ من الإرهاب، بعد أُفُول نجْم الإرهاب باسم دين إسلامي محرَّف.. كل ذلك سوف ينتجه تعليم مقصور على الأغنياء، محرَّم على الفقراء، وأبناء البسطاء؛ وفي الأخير، لن يكون في مأمن من هذا الدمار الشامل، لا الأغنياء ولا الفقراء..

فسياسة هؤلاء، سوف تنتج بشرا يُؤْثر الموتَ على الحياة؛ بل سوف يعتبر الموتَ خلاصا، لأنه لم يلُقَّنْ معنى الحياة، ولم يعرف معنى القيم، ولم يتلقَّ تعليما يُفشي في الأجيال معاني الحياة، والجمال، والأخلاق، وحب الوطن، والأسرة، والمجتمع؛ بل سيجهل كل هذه المعاني التي سيحلّ مكانَها الحقدُ، والكراهية، وسيكون مهيّأً للموت، غير عابئ بالحياة، لأنه عاش في ظروف لا حس فيها، ولا حياة، ولا قيم، لغياب التربية والتعليم والتنشئة السوية.. كان على المجتمع، ومن الآن، كنْسُ هذه الكائنات السياسية المنقَضّة على رقابنا، التي تنسف أجمل وأثمن ما في الوطن، وأولُها التعليم، هذه الجنّة الأرضية التي ينبغي أن يكون بابُها مفتوحا أمام أبناء الأغنياء وأبناء الفقراء بالمجان، وهو ما تعنيه عبارة تكافؤ الفرص.. فالغني غير مطالب بدفع ثمن تعليم ابنه؛ بل هو مطالب فقط بدفع الضرائب للدولة، مع التدقيق معه فيها؛ وأما التعليم فهو للجميع، هكذا قالت شرائع السماء، وبهذا قضت قوانين الأرض منذ قرون خلت.. فالعناية بأطفال الأمّة أمر واجب ومقدّس، وإلا فنحن نخلق أجيالا سوف تخدم مصالح المنظمات الهدامة، وهي التي تسمي السجناء، والمهمَّشين، والمجرمين [جيوش المستقبل]، لأنها ستحتاجهم يوما لتحقِّق بهم أهدافها؛ فهم يتوفّرون نفسيا على كل الشروط المطلوبة، والتي يتمتعون بها عن طريق الجهل، والأمّية، والتهميش، والضياع؛ وهذه كلها شروط خدمها فيهم تجارُ التربية والتعليم في بلادنا..

واليوم سنتطرّق إلى عبقرية أخرى من العبقريات الشريرة، التي أنتجتها الظروف المزرية، وانعدام التربية، وتفشّي العنف، وتراجُع القيم، وطغيان غريزة الوحشية، وموتُ الضمير، وغياب الإنسان في بشر، له صورة الإنسان، وقلبه قلب الشيطان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. كل ذلك بسبب غياب التربية.. يتعلق الأمر اليوم، بالمدعو [يوسف فيسرايوفتش جوجا شڤيلي] الملقب [ستالين] أي [الرجل الفولاذي].. وُلد سنة [1879] في مدينة [جوري] بولاية [جورجيا] في القوقاز.. كان من أسرة تعيش في الفقر المدقع، والتهميش، والبؤس، والحرمان من أبسط شروط الحياة الكريمة.. كان أبوه سبّاكا، وكان ذا خلُق رديء، وتربية منحطّة، بالإضافة إلى كونه كان يتعاطى الخمر بشكل جنوني، وكذلك أصبح ابنه [ستالين] في ما بعد.. كان ينهال ضربا ورفسا بالقدم على الطفل [ستالين] بسبب الخمرة، كما كان يعتدي باستمرار على زوجته إلى درجة أن ابنه دخل معه في مشادّاة بالأيدي دفاعا عن والدته رغم صغر سنه.. مات أبوه الشرير بعدما طبع نفسية الطفل بشرّه، وجعله قليل التركيز، ميّالا إلى العنف، توّاقا إلى الفوضى لأتفه الأسباب. ولمّا كبُر دخل إحدى المدارس الدينية في مدينة [تِفْليس] لكن ما فتئ أن طُرِد منها لسوء تربيته، ونشْره الأفكارَ الهدّامة ومن ثَمّة بدأت حياة الصعْلكة، والتشرد..

بدأت الشرطة تتعقّبه، وامتهن سرقة الأبناك، والسطو على ممتلكات الغير، برفقة ثلة من اللصوص والمجرمين؛ وقد اعتقله البوليس ستّ مرات، وكل مرة كانت عقوبته يسيرةً، وكانت فترات سجْنه قصيرةً، وقد أفلح في الهروب من السجن مرات عديدة؛ ويقول بعض المؤرخين إنه كان عميلا للبوليس، ممّا كان يسهّل عليه عمليات الفرار من السجن.. التحق بحركات شيوعية سرّية، وعندما حدث تمزُّق في الحزب الشيوعي، انضمّ إلى جناح [البلاشفة]، وفي هذه الفترة اتخذ لنفسه اسم [ستالين].. لم يلعب دورا هاما في الثورة الشيوعية الروسية، ولكن بمكره، ودهائه أصبح السكرتير العام للحزب الشيوعي.. كان [لينين] يفضّل أن يخلفَه [تروتَسكي] لأنه كان يرى أن [ستالين] كان عنيفا جدّا؛ ولما مات [لينين] سرق [ستالين] وصية زعيمه، وأخفاها، وضمّ إليه عضوين بارزيْن، هما [كامينيڤ، وزينوڤيڤ]، وبعدما ظفر، قتلهما سوية، وتخلّص منهما، وانفرد بالسلطة؛ ومنذ ذلك الوقت، توالت التصفيات الدموية، والاغتيالات في صفوف رفاقه؛ ويرى بعض المؤرخين، أنه كان أسوأ من [هتلر] إذْ من شعبه فقط، قتل ما يزيد على 30 مليون إنسان.. فلا شك أن [ستالين] كان إحدى أبرز العبقريات الشريرة في التاريخ كما يُجْمِع على ذلك كافة المؤرّخين..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق