كيف تساهم هذه الأحزاب في تعميق المصاب؟

كيف تساهم هذه الأحزاب في تعميق المصاب؟

2016-05-20 10:41:56

يقول أحد المفكّرين إن وجود الكلمة ليس دليلا على وجود المسمّى وجودا عينيا في عالم الأشياء؛ ثم يضرب المفكر مثالا فيقول: "هَبْ أن أشخاصا كانوا يتعاملون على أساس أنّ ظرفا يحمل ورقة نقدية ذات قيمة كبيرة، وبناءً على ذلك، جرى نشاطُهم ردَحًا من الزمن وهم واثقون من محتوى الظرف وقيمة ما يحتويه؛ لكن ذات يوم خطر لأحدهم أن يفتحه بعدما ساوره الشك، ليفحص ما فيه، ولما فتحه وجده فارغا من أي محتوًى ومن أية قيمة تُذكَر؛ فأدرك أن أصحابَه كانوا ضحيةَ تسميةٍ بلا مسمّى" ينطبق هذا على بعض الناس الذين يعتقدون في الأحزاب، ويتعاملون كما لو كانت هذه الأحزاب حقيقة لكنها في واقع الأمر هي مجرّد تسمية تخدع خداعا إيجابيا، فيعتقد المواطن أنها أحزاب حقّا وصدقا، فيما هي لا شيء في دنيا الوجود، بل هي وهْمٌ خادعٌ يخدع بالتسمية التي لا مقابلَ لها في الواقع العيني المباشر؛ هذه هي حقيقة ما نسمّيه "أحزابا"..
فهذه الأحزاب، يمكن أن نسمّيها أي شيء، إلا أن تكون أحزابا على غرار ما تكونه الأحزاب الجديرة بهذه التسمية.. والواقع أنّ التي نسمّيها تعسّفًا "أحزابا" هي الأصل في ما تعانيه بلادنا من مشاكلَ اقتصادية، واجتماعية وسياسية.. هذه الأحزاب الوهمية، تشغل المواطنَ بأشباه المشكلات، وتُمنّيه بالمستقبل الزاهر الذي لن يأتي أبدا، لأنها تحتضن في حظيرتها فاشلين، تمرّسوا بإلقاء الخطب الرنانة، وبفنّ المساومة؛ فالفاشلون لا يمكن أن يصدر عنهم إلا الفشل الذريع، وتاريخ هذه التي ندعوها "الأحزاب" يدلّل بالملموس على خيبتها، وانتهازية رهوطها، ولا يُرجى خيرٌ منها إطلاقا..
الآن؛ كل المغاربة مهتمّون بالقضية الوطنية الأولى، وهي وحدتنا الترابية، والخصوم في وسائل إعلامهم يكثّفون الندوات، والاتصالات هنا وهناك، فيما هذه "الأحزاب" مهتمّة فقط بالانتخابات المقبلة، ومن أجل ذلك تعْقد الاجتماعات والمؤتمرات، وتناقش مسألة العتبات، وكأن ذلك هو ما يهمّ البلادَ ويشغل بال العباد؛ فتسمع مناضلي "الأحزاب" يصيحون صياح الباعة في الأسواق، ويتدافعون، ويتسابقون نحو الظفر بمقعد في البرلمان بهدف الحفاظ على المنفعة والامتياز، بواسطة أصوات المغاربة، وكأنهم كما يقول "فرانسوا مورْياك": "صراصير تتسلّق الجدران في سباق عنيد".. لقد أظهرت قضيتُنا الوطنية فشلَ وتفاهةَ هذه "الأحزاب" المزعومة، ومن المضحك حقا أن نتحدث عن يمين، ويسار، ووسط، بخصوص أشياء لا وجودَ لها إلا في ذهن من يتوهّم وجودها؛ فيما هي عدمٌ خالص، ولا يمكن الحديث بالإيجاب عمّا هو عدمٌ محض كما يقول "هايدغير"؛ وهذه الأحزاب عدمٌ محض، إذ لا أثر لها في دنيا الواقع، بل هم أناس كل واحد منهم مجرد عِتْريس، يصوّر لنا نفسَه كما لو كان بستانيا يخدم بستان الأمة لكن بطريقة العتريس..
لكنّ الملاحَظ أن هذه المؤسسات المختصة بالدراسات، لا تذكر في تقاريرها ما جنته هذه "الأحزاب" على أمتنا من خراب.. أوَليست هذه الأحزاب هي التي باعت ممتلكات الدولة عن طريق الخوصصة؟ أوليست هذه الأحزاب هي التي تبنّت مشروع المغادرة الطوعية، ووزّعت الملايين على المغادرين، وضمنت لهم تقاعدَهم عند بلوغهم سِنَّ الستين، وأفرغت المؤسسات من موظفيها، مما انعكس سلبا وشكّل خصاصا مهولا، واكتظاظا في المدارس، وضعفا في الإدارات، وعجزا في صناديق التقاعد؟ أوليست بعضُ هذه الأحزاب هي خادمة مخلصة لمنظمات سرية، تتخفّى وراء الحرية الشخصية وغيرها من الشعارات الخادعة والهدّامة؟ أوليست هذه الأحزاب تتلقّى الدعم، وتكلّف خزينة الدولة أموالا طائلة، ناهيك مما يُرصَد لها خلال الحملات الانتخابية، وعدد هذه الأحزاب يفوق 33 حزبا؟ أوليست هذه الأحزاب هي الأصل في عدد الوزراء الذين يتقاضون الملايين بصحبة معاونيهم وذويهم في الوزارات؟ أوليست هذه الأحزاب هي التي تملأ الغرفتين بالفاشلين، والمتغيّبين أثناء الجلسات، وبالنائمين والمتثائبين تحت سقف مكيَّف الهواء؟ أوليست هذه الأحزاب هي التي تستهدف قُوتَ المواطنين، لتغطّي عجز الخزينة الذي هي الأصل فيه؟ أوليست هذه الأحزاب هي التي تُرضي الخاصة على حساب العامة، مما يفكك الجبهة الداخلية، ويؤجّج غضب الشعب المسحوق؟ أوليست؟
ثم ماذا؟ تراها دوما أبدا تتعهّد في حالة وصولها إلى سدة الحكم، بمحاربة الفساد؛ وكيف للفاسدين أن يحاربوا الفساد؟ لقد رأيتَ "بنكيران" يطلق حملتين لمحاربة الرشوة، رُصدت لهما الملايين من أموال الشعب، ولم يسائلْه أحدٌ عن مصير أو عن نتائج هذه الأموال الطائلة، خاصة والرشوة ازدادت نسبتها بشكل لا تخطئه العين، مما جعله يحذف أموالا خاصة بالتنمية الداخلية، ويرفع الأسعار للتغطية على فضيحته؟ ثم تعهّد باسترجاع الأموال المهرّبة، فاستعاض عن ذلك بمقولة: "عفا الله عما سلف" وكأن الأموال أمواله الخاصة.. ثم أموال طائلة أُهدرت في مجال كرة القدم دون جدوى، ولم يسأل أحدٌ عنها، ولم يُحاسَبْ مبذِّروها وهي أموال الشعب، وقد كان بإمكانها تشغيلُ الآلاف من العاطلين، وعلاج الآلاف من المرضى، وإصلاح المئات من المدارس، وتجهيز مثل هذا العدد من المستشفيات، وتعبيد العشرات من الطرق الرديئة لو أنها أنْفِقت في هذه المجالات، بدل إعطائها للأكلة الضاحكين علينا بالكُرة بلا مردودية..
فلا يغرنّك إذا رأيتهم يتظاهرون بالخصومة؛ فلا فرق بين أحد منهم، فليس هناك أغلبية أو معارضة، بدليل أنهم يصوّتون لبعضهم البعض في تشكيل المجالس، ولكن يتشاجرون في بعض الأحيان حول توزيع الغنائم ليس إلا.. فهم ليسوا أحزابا، بل هم "محفلٌ" واحد تختلف فيه فقط المعاطف، وكذلك القلانس للتمييز بين القِسِّ، والراهب، والقمّص، والمطران وهلمّ جرا، فيما "المحفل" واحد، والتعاليم واحدة؛ والهدف مشترك، هو تضليل الناس، وأكْل أموالهم بالباطل.. لقد رأيتَ "بنكيران" يقتل حقوق المواطنين ويمشي في مقدمة الجنازة يوم فاتح ماي؛ ثم يبكي ويذرف دموعا رطبة، لكن على ماذا كان يبكي؟ أبكى على إثم اقترفَه؟ أم على وعْد أخلفه؟ أم على عهد نقضه؟ أم على حبيب فقده؟ كلا! لا هذا ولا ذاك إطلاقا.. يجيب "ماكيافيللّي" في كتابه "الأمير" عن مصدر هذه الدموع فيقول: "قد لا يبكي الفرد على موت أبيه أو أخيه؛ ولكنه يبكي على ذهاب ثروة، أو منصب أو جاه"… لذلك كانت دموع "بنكيران" خوفا على ذهاب المنصب؛ فتلك الدموع كانت دموع توسُّل واستعطاف للتصويت له مجددا؛ فكثيرا ما تذَرع بوجود التماسيح، ولكن ها هو اليوم يعتمد دموعَها لخداع المغاربة..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق