هل تعلم وزارة "الوردي" بالوضع المتردّي بمستشفى "محمد الخامس" بطنجة؟

هل تعلم وزارة "الوردي" بالوضع المتردّي بمستشفى "محمد الخامس" بطنجة؟

2016-05-27 09:13:33

كان الناس دائما، وخاصة منهم سائقي سيارات الأجرة، الذين يعرفونني، وأنا أسكن على بعد أمتار فقط من مستشفى "محمد الخامس" بطنجة؛ كان هؤلاء ومنهم زوجتي، يقولون لي بالحرف: "عليكم في جريدة "النهار المغربية" أن تفعلوا معروفا، وتكسبوا أجرا بالكتابة ولفْت الأنظار إلى حال هذا المستشفى البائس الذي لم يعد يستحق حمل اسم ملك عظيم طيّب الله ثراه" فكنتُ لا أجرؤ على الكتابة عن أوضاع لم أعاينْها عين اليقين، وهو عملٌ مذموم وغير نزيه أن تكتب عن أشياء لم تخبُرْها؛ لكن في الآونة الأخيرة، قُدّر لي ولأسباب قاهرة، أن أدخل هذا المستشفى العريق، فأُصبتُ بالصدمة أي والله! كنتُ أتوقع أني سألاحظ كما دُرجنا على ذلك في انتقاد أية مؤسسة، كنت أتوقع أني سأرى أطباء لا مبالين، وممرّضين وممرّضات مقصِّرين ومهملين لرسالتهم الإنسانية النبيلة، وهو ما يريده عادةً المنقضّون على رقبة أية وزارة كي يتخلّصوا من المسؤولية، حيث يُلْقى باللائمة دائما على الذوات ويُغَض الطرف عن الأدوات الغائبة بل المنعدمة أصلا للقيام بالعمل؛ كلام كهذا لا يقبله السادة الذين لا يخطئون، يساندهم في ذلك إعلام كاذب، ومضلِّل، يخدع بأشباه الألفاظ، ويموّه بالصورة المركبة..
ينبغي لي أن أكون "طه حسين"، بفنّيته في الكتابة، أو "بلزاك" بدقّة وصفه، أو "جبران" بروعة أسلوبه، أو "سارتر" بعباراته الملتهبة كي أتمكن من تقريب القارئ الكريم من أوضاع مستشفى "محمد الخامس" بطنجة، الذي أمسى وصمة عار تلطِّخ جبينَ حكومة الأربعين وزيرا، وعلى رأسهم "بنكيران" صاحب "الدعوة إلى الله"، لكنّ الطنْجيين اليوم يرفعون به وبشيعته دعوى إلى الله عزّ وجلّ؛ لكن ربما سيكون هذا المستشفى مادةً تُستغلّ في الحملة الانتخابية القادمة لكسب أصوات الناخبين في مدينة البوغاز، ومن يدري! فأول ما يلامس خياشيمَك وأنت تدخل هذا المستشفى الذي يذكِّر بمعتقل "أوشْفيتْز" النازي في "بولونيا" ليس رائحة الورود، بل روائح الأبوال والأزبال، التي تزكُم الأنوف، وتفضح سياسة السيد "الوردي" وزير الصحة، صاحب الانتماء إلى حزب يدعي التقدمية ورمزُه الكتاب كما هو معروف.. لكن عندما تتوغل في أغوار هذا المستشفى الذي هو نفسه بحاجة إلى من يشفيه ممّا ألمّ به تتنوع المشاهد، وتزدحم الصور في ذهنك، وتعترف اللغة بعجزها عن التعبير عن ما تراه.. ولن أحدّثك عن أرضية تشكي، وعن جُدْران تبكي، وعن سطوح تَرْثي، وكأن هذا المستشفى هو بناية اكتُشفت مؤخرا تحت الأرض، من طرف علماء الآثار، بواسطة الحَفْريات، مما يبين أن سياسة السيد "الوردي" غيرُ وردية، وغيرُ مُرْضية، بل رديئة وغير مُجْدية، ومستشفى "محمد الخامس" بطنجة هو بحقّ دليلُ إدانةٍ له، ولسياسته، وللحكومة الغُثائية بوجه عام..
ثم ماذا؟ لـمّا نظرتُ إلى حال الأطباء، تذكرتُ الأطباء في "المُكَلاّ" باليمن، وهم يصيحون، ويستغيثون، وينادون: أَعْطُونا الوسائل لنقوم بواجبنا؛ اِرفَعوا هذه المأساة عنا وعن مرضانا.."؛ هذا بالضبط ما كنتُ عليه شاهدا في مستشفى "محمد الخامس" بطنجة، حيث الأطباء يقفون عاجزين أمام مرضاهم، ويطيّبون خواطر ذويهم الغاضبين، الذين يجْهلون حقيقة الوضع، والأطباءُ لا يجوز لهم مهنيًا الاعتراف بكونهم لا يتوفّرون على أدوية، ولا وسائلَ طبّية، ولا معدّاتٍ ضرورية.. نعم؛ هناك بضعة أجهزة بدائية، ولكنّ مكانها ليس المستشفى، وإنما المتاحف الأثرية التي تؤرّخ لاختراعات الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر؛ فترى الأطباء بحكم هذا الوضع، قد استحالوا إلى خُدّام "وليّ" صالح، يشفي كافة الأمراض بالبركات، ومن أطباء متخصّصين استحالوا إلى [مُداوين] في الكنائس خلال القرون الوسطى المظْلمة.. لو كنتُ قلما مضلِّلا وألقيتُ باللوم على الأطباء والممرضين، باعتبارهم هدفا سهلا لنبال النقد، لأخذَ السيد الوزير المسألة بجدية، لأن ذلك يعفيه من أية مسؤولية، وهذا أمرٌ معروف، فمثلا عندما تسقط طائرة يزعم المحقّقون أن الكارثةَ سببُها [défaillance humaine] وليس [défaillance téchnique] حفاظا على سمعة الشركة المصنِّعة؛ وهذا ما لا يمكنني أن أفعله للتستر على خزْي وزارة مسؤولة. والظاهر أنه إذا كان الأطباء قد أدّوا قسَم [hippocrate]، فإن المنقضّين على رقبة وزارة الصحة ربما أدوا قسم [hypocrite] وفي هذه الحالة يكون كلام أهل هذه الوزارة كلُّه كذبٌ، ونفاق، وخداع، وإهمال؛ هذا مؤكد..
كنت أودّ إعادة قراءة رواية "سارتر" وهي بعنوان "موْتى بلا قبور"؛ ولكنّي عدلتُ عن ذلك، لما رأيت الرواية مشخّصة في مستشفى "محمد الخامس" بطنجة.. رأيت المرضى فتذكّرتُ معتقل "لوبْيانكا" في موسكو، أيام "ستالين" المرعب.. شاهدتُ المرضى وكأنهم سجناء ينتظرون موعدَ إعدامهم على يد أفراد شعبة التطهير الشيوعية في روسيا، أيام "البلاشفة" الروس، ولعلّ هذا ما عناه كاتبٌ في مذكّراته السوداء: [كان كلّما طال انتظار الموت، استطالتِ العذابات.. فيا مَن مات، إيّاك أن يضحكوا عليك فتُغيِّر رأيك فجأة وتعود إلى الحياة بسبب كذبهم المعتاد بمقولات الأمل، والعدل، والغد الأرغد، وقد رحلتَ من دنيا الضيق، إلى عالم السكون والسعة؛ فطوبى لك..].. هذا ما خطر لي وأنا أشاهد المرضى البائسين، منهم من هو في غيبوبة وقد غادر عالم المحسوسات؛ ومنهم من شُلّت بعض أعضائه وأُحيلت على المعاش؛ ومنهم من يئنّ تحت وطأة الآلام التي لا ترحم؛ ومنهم من يحتاج إلى جرعة دواء فقط، ولكن الدواء عزّ في عهد الوزير "الوردي" ومنهم من ينام على الأرض الحافية لانعدام الأسِرّة، إنه مشهد غير وردي، ومن يقول عكس ذلك فهو كذّاب أو منافق بمقابل، أوْ له مصلحة في إخفاء الحقائق الصادمة؛ هذا هو الواقع..
ومما يزيد البؤس بؤسًا، هو أن المستشفى يوجد وسط طنجة الكبرى ومشهور، لأنه أول مستشفى وُضع للناس، وهو ما يجعله يتعرّض لضغط لا يطاق، بسبب كثرة الوافدين عليه، ممّن ضمّهم البؤسُ إلى صدره، وفتح لهم الشقاء ذراعيه، وخيّم عليهم الفقر، وألـمّت بهم شدائدُ الدهر، حتى وَهن العظم، وتداعتِ الصحة، واتخذهم المرضُ كمخيّمات له ولأسبابه، فأتوا إلى مستشفى يعالج المرضى وهو مريض.. أما أصحاب اليُسر والمال، فلهم مصحات راقية تضاهي أفخم الفنادق في "لاس فيغاس" ثمّ اللهم لا حسد.. نرى على شاشة تلفزتنا المروحيات وهي تنقل المرضى، عبر صور أُعدّت للدعاية المخدومة، فيما نزلاء هذا المستشفى تقصفهم "مروحيات" البؤس والحرمان، وأخرى تنقلهم من مطار الوجود إلى فضاء العدم.. هؤلاء المواطنون هم الذين يقفون على جنبات الطرقات عند زيارة جلالة الملك نصره الله، ويهتفون "عاش الملك" بلا طمع، وبلا ملايين يصيبونها شهريا يا وزير الصحة.. لذا كان من الواجب الإسراع بإصلاح هذا المستشفى وتحسين أحْواله، وتزويده بالوسائل، وكافة المعدات الضرورية، حتى يقوم بواجبه في خدمة رعايا جلالته أعزّه الله؛ فهل من أذن صاغية ومن ضمير حي؟


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق