التبذير في تصاعد ذاك هو سببُ عجزِ صناديق التقاعد

التبذير في تصاعد ذاك هو سببُ عجزِ صناديق التقاعد

2016-05-31 08:54:57

يؤكد لنا التاريخ، أن ضُعْف أية دولة، كائنة ما كانت، يبدأ دائما بعجْز هذه الدولة عن أداء أجور موظفيها، وصَرف معاشات متقاعديها، حيث تعْمد إلى تجميد الأجور، ورفْع الأسعار والضرائب، وتقليص معاشات المتقاعدين، مما يُسعد أعداءَها، ويتربّص بها خصومُها في الداخل والخارج، فتصير حاملةً لنقيضها في جسدها، ويبدأ تراجُعها.. والذين يقومون بهذه الإجراءات، يحاولون بذلك الحفاظ على بذْخ، وامتيازات، وحيازات الإقطاعيين، والفيوداليين، والباذخين في خيرات الأمة، ثم يعتقدون أن المجتمع هو مستنقع راكض، ولن يحدث أي شيء، لأن بطْنتَهم تُذهِب فطْنتَهم.. وحتى إذا ما حدث عدمُ استقرار، فهمْ لن يخسروا شيئا، لأن الشعب هو الذي يؤدي الثمن دائما.. يذكّرنا التاريخ بما حدث أيام [حكومة] "مروان بن الحكم، على عهد "عثمان" رضي الله عنه، حيث أُلغيت أجورُ بعض الصحابة، وجُمِّدت معاشاتُ آخرين، واستفرد بعضُ المقرّبين بأموال الدولة وممتلكاتها، وكان "مروان بن الحكم" أو "الوزَغ بن الوزغ" كما كان قد لقّبه النبي صلى الله عليه وسلم، هو مَن بيده خاتمُ الخلافة، ويتصرف من وراء الستار وفي غفلة من خليفة المسلمين؛ فعمّ التذمر، والسُّخط، والاستياء، كافةَ الأرجاء، فخرج الصحابةُ عن صمتهم، بل حتى عائشة رضي الله عنها، خرجت مندّدة وغاضبة أشدّ الغضب بعدما انتُقص من معاشها بنسبة الثلث وزيدَ في امتيازات بني مروان.. فدخل الأعداء على الخط، لاستثمار هذا الوضع المتردي، فكانت تلكم البوادر الأولى لفتنة تطوّرت بشكل درامي.
هو نفسه ما حدث أيام "نيكولا الثاني" في روسيا، فاستغلّه "لينين" ، وقفز البلاشفة إلى الحكم، وساندهم الشعبُ بسبب ما كان يعانيه من تقشّف، وبطالة، وفقر، فكان يرفع لافتات خلال مظاهرات صاخبة كُتب عليها ".. نريد خبزًا..".. سنة 1917، وهو ما تكرر سنة 1992 بسقوط الاتحاد السوفياتي في غشت 1991 بسبب النهب الذي كانت تمارسه "النوموكلاتورا" الناهمة، وعاد الروس إلى الطابور في انتظار كسرة خبز، تماما كما فعلوا في "ستالينغراد" أيام الحصار النازي سنة 1941.. والمغرب اليوم، يتعرض للنّهب السري والعلني، حتى لإنّ جدارا مثلا، يُبْنى بـ 5000 درهم، لكن في الفاتورة تجد أنهم سجّلوا فيها 100 مليون كمبلغ الإنجاز، وهكذا دواليك في سائر القطاعات المختلفة.. أنا لا أستوعب كيف لبلد يعيش أزمةً اقتصادية، وضائقة مالية، فيعمد المسؤول إلى مدّ يده لقوت المواطن المقهور بدلا من أن يلتفت إلى رواتب الوزراء الأربعين، والبرلمانيين، والمستشارين، وكافة الدناصير اللاحمة والعاشبة في البلد.. فهل "بنكيران" يستحق فعلا 9 ملايين ونصفًا شهريا؟ ومَنْ ذَا الذي شرّع له ذلك، وهو نفسه يحذّرنا من الوقوع في ما وقعت فيه اليونان!؟ هل هذا منطقي ومعقول؟ هل هذه هي الوطنية الحقّة؟ هل هذا ما عاهد الشعبَ عليه؟ أمِن أجل هذا يرغب في ولاية ثانية؟
فيوم الثلاثاء 24 ماي 2016، سقط خبرٌ كما يسقط الحجر على صفحة الماء الصافي فإذا هو متطاير مضطرب كما يقول "عبد المجيد بنجلون" في إحدى رواياته؛ مفاده أن المتقاعدين مهدَّدون في معاشاتهم، وأن عجز الصناديق يتجاوز هذه السنة 600 مليار.. فما ذنْبُ المتقاعدين؟ وما رَدُّ المتسبّبين في ذلك، الذين لم يكْشِفْهم أحد، ولم يسائلْهم أحد، كما يُساءَل الموظفُ الصغير المقهور والمغلوب على أمره؟ كيف يكون حال الموظف، وهو من الآن غيرُ مطمئن على تقاعده؟ كيف ستطلب منه التفاني في عمله، والأفق مظلم أمام عينيه؟ كيف لا يسرق ولا يختلس لتأمين شيخوخته، يوم يقوس ظهرُه، ويرشى عوده، في انتظار رحيله الأبدي؟ "بنكيران" أنقذ نفسه، ولم يعد موظفا الآن؛ بل سينعم بتقاعد رئيسِ الحكومة، وكذلك البرلماني، وما شابه ذلك.. أما الذي سيعاني، فهو الموظف والعامل، وهما أهم من "بنكيران" وصحْبه وفصيلته..
لقد قيل إنّ عجْزَ صناديق التقاعد تجاوز 600 مليار؛ فلْيكنْ.. ألم يرصد "بنكيران" 370 مليارًا لما أسماه محاربة الفساد الذي زاد؟ أليس هذا المبلغ يمثّل نصف هذا العجز؟ ثم زدْ عليه مبلغ حملتين ضد الرشوة.. ثم زِدْ عليه مبلغ 30 مليارًا رُصد للحملة الانتخابية.. ثم زدْ عليه مبالغ كدعم لأحزاب غثائية، وجمعيات خاوية، ومنظمات واهية، ومراكز دراسات غير مجدية.. ثم زدْ عليه [des bagatelles]، كل واحدة منها تكلِّف ميزانية الدولة الشيء الفلاني. اِجمعْ كلَّ هذا وسترى أن الخزينة كان من الممكن أن تفيض بالخيرات، ممّا كان سيضمن السِّلم الاجتماعي، ويجنِّب بلادنا هذه الوصمة، ويجعل كيْدَ الحاقدين في نحورهم، خاصة ونحن نتحدث عن التنمية، وورْدية الظروف الاجتماعية، بالإضافة إلى حقوق الإنسان.. أليس قوتُ المواطن هو أبرزَ حقٍّ على الإطلاق؟ كيف نتحدث عن حقوق الإنسان، ونحن نضرب حقوق المواطن المعيشية في الصميم؟ مع العلم، أن حقوق الجسد سابقة على حقوق الروح، المعنوية منها والدينية، وقسْ على ذلك..
ثم عجبتُ لذاك الذي جاء يتلو علينا خطابَه في البرلمان، باعتباره مكلفًا بالحسابات، وكان كأنه يقرأ من كتاب مقدّس؛ فحذّر، ونصح، وكرَّر، ونادى بإصلاح صناديق التقاعد، على حساب مَن لا ذنب لهم في ما لحق بهذه الصناديق، ونسي أنه هو نفسه كان ذات يوم رئيسا للحكومة، وأن له ضِلعًا في ما يحدث اليوم؛ لكنْ ما إن غيّر بدلته، حتى تبدّل، وألقى وراء ظهره بكل ما حصل، فتحوّل إلى قسٍّ يوعظ ويرشد، ويوصي، ويحذِّر من "نهاية العالم"، ويقترح الخلاص بما ليس منه مناص، وهو إهدار حقوق الناس، وعلى جثث حقوقهم، يَنصح بإعادة الهيكلة والإصلاح.. ولكن هكذا عهدناهم؛ فما إن يغيّروا المكان، حتى تتغير لديهم الكلمات والألحان.. فهو في مأمن من صعوبة العيش، وشدائد الحياة، وصدق الشاعر حين أنشد:
يبيت المواطنُ وأولادُه * وزوجتُه يشتكون الطّوى
وهذا الوزيرُ وأولادُه * وزوجتُه يأكلون الشّوى
لو سمعوا المواطنَ يشتكي * من الجوع ظنّوه كلبًا عوى
وإذا أكلوا التمرَ لم يسمحوا * للمسحوق ولو بحبوب النّوى
الانتخابات الآن على الأبواب، وتلكم الفرصة سالبة الألباب، لكافة الأحزاب.. فماذا عساهم يقولون للمواطنين خلال حملات الأكاذيب؟ بكل تأكيد سيستثمرون كل هذه المصائب والمهازل، وسيعاهدون المواطن على تحسين ظروف العيش، ورفْع الأجور، وتخفيض الأسعار، مع الحفاظ على حقوق ومكتسبات المتقاعدين، ومحاربة الفاسدين، وتشغيل العاطلين، وسوف يتحدث "بنكيران" مستنكرا المسّ بتقاعد المتقاعدين، وسوف يتلو "ولا تبخسوا الناسَ أشياءَهم"، وأن حقوق المواطن لا تقبل المس أو المساومة، وأن ما حصل لم يكن له فيه يدٌ، وسيُشهِد الله على أنه قاوم ذلك في الخفاء، ولكن لا حول له أمام جهات التحكم، ولكن هذه المرة سيكون صارما ويقظا، لو جدّد المغاربةُ ثقتَهم في حزب "الدعوة إلى الله"؛ وهكذا سيطلق العنان للسانه ودموعه، وسيرثي لحال مَن انتحروا، ومن أحرقوا أنفسَهم، وسيتبرّأ من دمائهم، وسيتأسّف للأساتذة والمتدربين، وسيتعهّد بردّ حقوقهم كافة، وسيركّز على الشغل ومجّانية التعليم والصحة وصدق الشاعر:
كمْ على الأرض من صروح أشيدتْ * لزعماء تعُدّهم أصنامَا
والحكومات لا تدين بحقّ * لشعب تخاله أنعامَا
لا رعى الله من يبدّد أموا * لَ البلاد، ويجمع الآثامَا..
وقد جمعها كلّها "بنكيران".


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق