أشهرُ الناس ليس بالضرورة أفضلهم

أشهرُ الناس ليس بالضرورة أفضلهم

2016-06-01 10:39:52

يجدر بي في البداية أن أعترف للقارئ الكريم، بأني لست إطلاقا من مرتادي [Le pissoir éléctronique] أي [المبْوَلَة الإلكترونية] وهي [الأنترنيت]، مع اعتذاري على استخدام هذا المصطلح.. فأنا أفضّل الكتب، وعند الكتابة أستعمل القِرْطاس والقلم، لأن فيهما دفئًا وأنت تكتب، بدل شاشة تتميز بالبرودة، وتمثّل حاجزا بينك وبين ما تكتبه؛ فكما يقول "العقّاد": "إن الكاتب إذا كان يعيش ما يكتبه، فإن القارئ سيلمس ذلك لا محالة" [لأن القارئ هو الذي يقوم عن طريق القراءة بإعادة تشكيل ما كتبه الكاتب: "سارتر؛ كتاب: "ما الأدب؟ فصْل: "لمن نكتب؟".. ومعلوم أن هذه المواقع الإلكترونية، هي السبب في تراجُع عدد القرّاء؛ وهي كذلك من بين الأسباب في تدني المستوى الدراسي، كما أنها قتلَتِ الذاكرة، وساهمتْ في نشر الكذب والترهات، وقد حذّر منها جلالة الملك "الحسن الثاني" طيب الله ثراه، في كلمة له سمعناها كلنا سنة 1997.. فبواسطة "النّت" صار حتى الشاذ والعاهرة لهما رأيٌ في سياسة الدولة والدين، والأخلاق، والفن، وقسْ على ذلك..
ومنذ أيام، اتصل بي صديق، وهو كذلك من المصابين بداء "النِّت"، ليخبرني بأن "بنكيران" صار أشهر شخصية في المغرب، فلم آخذْ كلامَه مأخذ الجدّ حتى تأكد لي ذلك عبر "النهار المغربية"؛ عدد" 3675 ليوم الإثنين 16 ماي الجاري؛ عندها فقط، بدأتُ أتأمّل الخبر جيدا، ومنه كانت هذه المقالة.. وللعقلاء الذين ما زال لهم عقلٌ يشتغل، أقول إن أشهر الناس ليس بالضرورة أفضلهم كما يخبرنا التاريخ، ويؤكد ذلك القرآنُ الكريم، بدليل أن "أبا لهب" يظل أشهر من بعض الصحابة الكرام، لكن بكفره، وشِركه، وشرّه وأذاه: "تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وتَبّْ.." سورة [المسَد].. يقول "مَايْكل هارت" مؤلِّف كتاب: "الخالدون مائة"، وهو مؤلِّف، وعالم فلكي، ويعمل في هيئة الفضاء الأمريكية، وباحثٌ في التاريخ؛ يقول إنه اختار هذه الشخصيات واستبعد الآلاف، لأنه أقام أساسَ اختياره على أن يكون الشخصُ عميقَ الأثر، سواء كان هذا الأثر طيبا أو خبيثا، ولذلك اختار مثلا "هتلر" لأنه عبقرية شرّيرة.. والوحيد من بين هذه الشخصيات التاريخية، الذي جمع بين الشهرة والأفضلية وجميل الأثر، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتل رأس القائمة بلا منازع: اُنظرْ كتاب: "الخالدون مائة وأعظمُهم محمّد"؛ صفحة: 13؛ "مايكل هارت"..
في سنة 2007 فُتح تصويتٌ في روسيا، لمعرفة أشهر ثم أفضل الشخصيات التاريخية، ودام التصويت ستة أشهر، فاحتل "ستالين" البغيضُ المرتبة الأولى من حيثُ الشهرة، فيما احتل "أليكساندر نيفسكي" المرتبة الأولى من حيث الأفضلية وحُسْنُ الأثر… كان "فرانسيس بيكون" من أشهر، وأعظم الفلاسفة الإنجليز، وما زال كذلك إلى يومنا عند الدارسين للفلسفة بوجه خاص.. هذا الفيلسوف أوْصل صديقَه الذي أطعمه وآواه أيام البؤس والفاقَة إلى حبل المشنقة، إرضاءً للحكومة التي جعلت منه مدّعيا عامّا، فأدى "بيكون" المدعي العام المهمّة على أكمل وجه وأُعْدم صديقُه "أسْكِس"، فقال الشاعر "أليكْساندر بوب" في حق "بيكون": [كان أشهرَ الناس، وألمعَ الناس، وأعرَف الناس، وأخبثَ الناس]: اُنظر كتاب: "الفلسفة الحديثة؛ عرْضٌ نقدي"؛ صفحة: 38.. وهكذا نرى أنه من الممكن تماما أن يكون أشهر الناس، هو أخبثهم بالدليل القاطع..
لو أننا فتحنا في المغرب استفتاءً على غرار ما جرى في روسيا سنة 2007، لاحتل جلالة الملك نصره الله المرتبة الأولى في الشهرة، والمرتبة الأولى في الأفضلية والأثر الطيب بلا جدال، فيما سيحتل "بنكيران" لا محالة المرتبة الأولى في البهلوانيات، والنّكات، والمهازل، والشّنْشنات، مثله مثل شخصيات الرسوم المتحركة المضحة المشهورة مثل "توم وجيري" و"الفهد الوردي"، أو الممثّلين المضحكين من أمثال "لوريل وهاردي" وقِسْ على ذلك.. "بنكيران" صار مشهورا لقيامه بأعمال "سريالية" في ميدان السياسة، لم يسبقْه إليها أحد من قبلُ في تاريخ المغرب، وسيُضرب المثلُ بسياسته في المستقبل للتقليل من شأن أي سياسي فاشل، لا يرضى عنه الشعب، والمعارضة، والصحافة، تماما كما يُضرب المثلُ اليوم بشخصيات تاريخية بغيضة عبر العالم، لأن التاريخ لا يرحم..
"بنكيران" هذا، رجلٌ غير حكيم، فهو من الشخصيات الهزلية، والمزاجية، والمتعنّت، ومصاب بعقدة "العظمة" لكن فقط تجاه المواطنين.. إنه أسد على المواطنين، غير أنه ضعيف أمام خصوم الوطن، وأعداء وحدتنا الترابية، وهذا أمرٌ اشتهر به "بنكيران".. فالمتقاعدون، والمتدرّبون، والمسحوقون ليسوا مثل الانفصاليين، أو "بان كي مون" أو الخونة أو اللصوص أو أهل الفساد؛ لذا لا تراه يقسم عليهم باليمين المغلَّظة، أو يتوعّدهم بالويل والثبور.. فما رأيناه يوما يصول ويجول في كل أنحاء العالم، لشرح القضايا الوطنية، وردّ الاعتبار والمهابة للوطن وتكريس عزّته.. لكنّ صولتَه اقتصرت على صندوق المقاصة، وصندوق التقاعد، وتعويضات المتدرّبين يضربها بسيفه، ثم يُضرم النار في الأسعار، ويحرق حقوق وأقوات المغاربة؛ إنه "جينجيزْ خانْ" في هذا الميدان، وشهرتُه هنا لا جدال فيها.. لكنّ مثل هذه الشهرة لا تشرف بتاتا صاحبَها..
"بنكيران" هذا، اكتسب شهرتَه عن جدارة؛ فطريقته للوصول إلى الحكم كانت غريبة جدا، غرابة حكومته المفبركة كيفما اتفق؛ لقد جلس على سرير الحكومة بعدما كان يسير في مقدمة مظاهرات أعداء الملَكية، وكان "يتبنّد" على شاشات أعداء وحدتنا الترابية أم أنا مخطئ لا سمح الله؟ فسياستُه أضحوكة زمانها بلا ريب، حيث تراه يسدّ باب الحوار الاجتماعي، ويضرب مكتسبات العمّال عامة، ثم يتقدم الصفوف يوم فاتح ماي، ويذرف الدموع من على المنصة، وهو ما قاله "ماكياڤيللي": "ليس المهم أن تكون كريما، ولكنّ الأهم هو أن يقال عنك ذلك"؛ وهو ما يفعله أتباعه لتجميل وجهِ سياسته القبيح.. ومنذ أيام، أباح تشغيل الأطفال، بعين لا تدمع، وقلب لا يخشع، ناهيك من مسرحياته داخل البرلمان، ووعظه وإرشاده، وتركيزه على التفاؤل ونبذ التشاؤم، فيما سياستُه هي الأصل في التشاؤم. ففي عهده قتل المواطنون فقراء، ومحرومون، ومعطّلون، ومرضى أنفسهم؛ وآخرون أحرقوا أمام الملإ أجسادَهم، وهي ظاهرة انفرد بها عهد "بنكيران" وبها ذاعت في الآفاق شهرتُه.. ثم لا ننسى أنه سالمَ الشواذ، وأعلن أن الدولة المغربية المسلمة لا ينبغي لها أن تتدخل في الشواذ، مما جعل "فيمن" يدخلن البلاد، ويتعرّين أمامنا، فيما يُمنعن من ذلك في فرنسا العلمانية، ويُزَجّ بهن في السجن.. لهذا رَضِيَت عليه المنظمات، ومراكز الدراسات، والجمعيات الهدّامة فصيّرته مشهورا، لأنه يوافق أهدافها، ويخدم بمواقفه مصالحها.. إذن هنيئا له على شهرة نالها..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق