عندما يصبح الأخ أشدّ عليك من أعدائك

عندما يصبح الأخ أشدّ عليك من أعدائك

2016-06-02 11:45:45

في البداية، يجدر بي أن أعترف للقارئ الكريم، وأعتذر له بأني قضيتُ ليلتين، أبحث عن حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كنتُ قد قرأتُه، وما زالتْ ذاكرتي تحتفظ بمضمونه، ولكني للأسف الشديد لم أعثرْ عليه بعد.. وحتى أكون صادقا ونزيها، فهذا الحديث موجودٌ في "بحار الأنوار في دُرَر أخبار الأئمة الأطهار" [110 مجلدات] "للباقر المجلسي"، وهو مرجع شيعي حتى أكون صريحا.. مضمون هذا الحديث الشريف، أنّ النبي الكريم، أقرّ بأن هناك دائما عدوّا يريد قتْلك؛ وحسودًا يحسدك على ما أتاك الله من نعم؛ وحقودا يحقد عليك بسبب ما تأتيه من جليل الأعمال؛ ولكنْ هناك أخٌ لك هو أشَدُّهم عليك جميعا.. ومهما يكُنْ مصدر هذا الحديث، فإن الواقع يشهد بصحّته.. فنحن المغاربة لنا عدوٌّ يريد قتْلنا، ولنا حسود يحسدنا، لأننا وسّعنا ونوّعنا علاقاتِنا الاقتصادية والسياسية، وأنجزنا أعمالا كبرى بفضل حنكة جلالة الملك نصره الله؛ لكنْ لنا أخٌ هو فعلا أشدُّ هؤلاء جميعا علينا، وهو الأصل في مشاكلنا بخصوص وحدتنا الترابية، وهو الأخ الجار الجزائري، وهذا يؤكد صحة هذا الحديث.
يقول جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، إنه اتصل قبل المسيرة الخضراء المظفّرة، بأخيه الجار الراحل "هواري بومدين"، فأسرّ إليه بمشروع المسيرة لتحرير الصحراء المغربية؛ فبارك "الهواري" قرار جلالة الملك، وتعهّد بأنه سيكون أوّل المهنّئين لو نجحت المسيرة، وخلّصت العالم العربي من بقايا الاستعمار.. والظاهر، أن الأخ الجار ما كان يعتقد نجاحَ المسيرة، إذ كان يظن أن الاستعمار الإسباني سوف يواجه 350 ألف متطوع مغربي بالمدافع الرشاشة عند اجتيازهم للحدود الوهمية، وهو ما لم يحدث إطلاقا.. لم يكن للأمم المتحدة أي اعتراض، ولم يكن لمجلس الأمن أدنى تحفّظ، ولم يكن لأي عدو أية نية مبيّتة في البداية؛ ولكن لما حقّقت المسيرة أهدافها، وبلغت غايتها، عندها فقط تملْمَل الأخُ الجار أخيرا، وخاصة عندما سمع "ابن هانئ" ينشد بصوت جهوري: "تقول بنو العبّاس هل فُتِحت مصرُ * قُلْ لبني العباس قُضي الأمرُ.."؛ وهكذا، لما قُضي الأمر، وتحرّرت صحراؤنا، ووطأنا رمالا من رمالنا، وأخذنا بالحضن إخوانا لنا، استاء الأعداء؛ ولكنّ الأخَ، كان أشدّهم علينا، فجمع كمشة من الانفصاليين، ما عرفهم أحدٌ يوما، ولا كان للأمم المتحدة بهم علمًا، وانضمّ إليهم جنودٌ كوبيون، كانوا في "إثيوبيا"، فرفض "كاسترو" عودتَهم، لفساد أخلاقهم، وافتقارهم للانضباط العسكري، وتحوُّلِهم إلى مرتزقة؛ فوجد لهم عند الانفصاليين وظيفة، آملا أن تقتلهم قواتُنا المسلحة الملكية الباسلة، وتريح "كوبا" منهم؛ وهو ما حصل فعلا خلال معاركَ ضارية..
وبعد ثلاث سنوات، أسرّ الراحلُ "بومدين" إلى المقرّبين إليه، بأنه لو كان يعلم بأن المغرب سيصمد طيلة ثلاث سنوات، لفكّر مليا، ولَـمَا ركب هذه الموجة.. لقد جهل "بومدين" بأن قضية الصحراء، هي قضية شعب بأسره.. ولـمّا كان الرئيس على وشك أن ينفض يديه من هذه القضية الخاسرة والمفتعلة، تمّ تسميمُه، ومات بسبب ذلك، وتم التخلص منه ليتكفّل بالأمر" جنيرالات فرنسا" الذين ألقوا بماضيهم وراء ظهورهم، وارتدوا عباءة جبهة التحرير الجزائرية، وصار كل رئيس هو دمْية بيدهم.. أجلْ! يذكر التاريخ "جبهة التحرير الجزائرية"، كما يذكر حركة "البُويْر" في جنوب إفريقيا، وحركةَ "المَاوْمَاوْ" في كينيا؛ كما يذكر حركات انفصالية أو إرهابية مثل "بِيَافْرا" في نيجريا، و"الدّرب المضيء" في بيرُو، و"طُونْ طُونْ ماكُوتْ" في هايتي، و"السَّباتِيُون" في المكسيك، و"أيْطَا" في إسبانيا و"فاركْ" في كولومبيا؛ و"البادَرْمَاينْهوفْ" في ألمانيا؛ و"الجيش الجمهوري" في إيرلاندا"؛ ومنظّمة "خَلقْ" في إيران؛ ومنظمة "أُوكْلاَك" في الولايات المتحدة الأمريكية؛ و"الأيادي السّوداء" في البلقان؛ و"الألوية الحمراء" في إيطاليا؛ و"الخَمير الحُمر" في كامبوديا وقِسْ على ذلك.. لكن أبدا ما ذُكِر "البوليساريو" لا في سجلات الأمم المتحدة، ولا في أرشيف المستعمر الإسباني، ولا أتى على ذكرهم مؤرّخٌ إطلاقا، لا كجبهة تحرير ولا كتجمُّع مافْيُوزي انفصالي إرهابي؛ فهذه الزُّمْرة الذِّئْبية هي مِن صُنْع الأخ الذي صار أشدّ علينا من خصومنا.. ترانا اليوم كالأمس، نواجه أمريكا، ومنظمات سرية، ولوبيات خفية، فواجهناها جميعها، ولكنّ مصيبتَنا تكمن في الأخ الجار، الذي كان من المفروض أن يكون إلى جانبنا كما كنّا إلى جانبه وما زلنا لكنّه صار أكثر عداوةً لنا من أعدائنا.


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق