هذا ما يهدف إليه أعداءُ الإسلام باسم الإسلام

هذا ما يهدف إليه أعداءُ الإسلام باسم الإسلام

2016-06-03 11:38:15

* حوار مع مغربي تَمَسَّح:
فُرِض عليَّ الحوار في أحد مقاهي "البوليڤار"؛ ولم يكنْ لي في تجنُّبه وتَحاشيه أدنى اختيار؛ فخضتُ الغمار، خاصة والموضوع هو حديث الساعة في النوادي، والبوادي، وعبر الأقمار، وبمضامينه تعجُّ يوميا قصاصات الأخبار، ونظرا لأهميته، ارتأيتُ إشراكَ القرّاء الأبرار، وسوف يكون لهم رأيٌ إن شاء الله في ما حبلت به المناظرةُ من دلائلَ وأفكار، ثم الرأي لهم. كنتُ أحتسي قهوتي، وأنا أقرأ الإنجيل، غير عابئ بما يجري وراء ظهري، إذ كان شاب مغربي يسترق النظر، ويبحث عن طريقة يقتحم بها وحدتي، وفجأة استبدّت به الرغبةُ، فداهمني قائلا: أتسمحُ لي بالجلوس معك للحديث بعض الشيء؟ قلتُ: تفضَّلْ؛ لا مانع.. كان الشاب لبقا، ومهذّبا، وحلْو المنطق، وذا سلوك مدني، لا تخطِئُه العيـنُ.. قال: هل أنت مسيحي؟ قلتُ: كلاّ؛ أنا مسلم، ولكنّي من الدارسين والناهمين للكتاب المقدَّس منذ زمن بعيد؛ وأنت، هل أنت مسلم؟ قال: كلا؛ أنا مغربي تمسَّحتُ، وتركتُ الإسلام لعنفه، ودمويته، وإرهابيته؛ وأشكر الرب على الهداية..
قلتُ: ليباركَك الرب؛ وهنيئا لك بما تعتبره هداية وخلاصا لحياتك الأبدية؛ فأنا أحترم اختيارك.. قال: أنت مسلم وتبارك عبوري من الإسلام إلى المسيحية، ما هكذا عهدتُ المسلمين؟! قلتُ: المسلم الحقيقي هو من أكثر الناس تفتحًا على وجه الأرض، لا تشدّدا؛ ولكنّي أصْدُقك القول، فأنت تحققتْ فيك وبك أماني "داعش، والنصرة، والخوارج" لأن هذا هو ما يهدفون إليه بعنفهم، وإرهابهم، ودمويتهم؛ ولكني أعتقد أنك أسقطتَ سلوكهم على الإسلام، واعتبرتَهم مسلمين، ولم يكن تمسُّحك عن اقتناع بالمسيحية، وإنما كان مجرد ردِّ فعْل، لما اعتقدتَه إسلاما لفهْم خاطئ؛ لكن منذ متى كان يُحكَم على دين من خلال سلوكات وأخطاء من يدّعون الانتماء إليه؟ قال: لو كان الإسلام دينا سماويا، لما تقاتل أهلُه، ولما اختلفوا فيه؛ فهو الأصل في دمويتهم، وإرهابهم، وكراهيتهم لبعضهم البعض، ولغيْرهم؛ فالإسلام هو سبب تخلّفهم، وكراهية العالم لهم، ولمساجدهم، وطقوسهم وخرافاتهم..
قلتُ: قال الله تعالى: [اليوم أكملتُ لكم دينَكم، وأتممتُ عليكم نعمتي]؛ فلو كان الإسلام هو القتل، والغدر، والدموية، واليأس من الحياة، لما وصفه الله بالنعمة، لأن مفهومها يناقض كل هذه المساوئ والشرور؛ فالمشكل ليس في الإسلام، بل في المسلمين، لجهْلهم بهذه النعمة.. وحتى المسيحيون، بينهم تفرقةٌ؛ فإذا كان لدينا سنَّة وشيعة؛ فلديكم أنتم المسيحيون، كاثوليك وأورثوذكس؛ بل حتى التأْريخ فيه اختلاف، كما هو شأن سنّة وشيعة؛ وهذه أمور فيها نشأةٌ اجتماعية، لا علاقة لها بالسماء.. وإذا كان موظِّفو الدين يقتلون الناس باسم دين إسلامي زائف، فحتى المسيحيون وظّفوا المسيحية في القتل، ولا أدلّ على ذلك الحروب الصليبية، ثم حاربوا بعضهم خلال ما سُمّي في التاريخ بحرب المائة سنة، ثم لا ننسى حرب الكاثوليك والبروتسْتانت في إيرلاندة الشمالية منذ وقت قريب..
قال: إن محمّدًا أمر بقتل اليهود، وتهجيرهم، تماما كما فعل فرعون وهتلر.. قلتُ: هذا كلام الإخباريين، والرُّواة الحَشْوِيَة، الذين يرتكزون على سماع الأخبار، لا رُؤيةَ عين اليقين؛ وهذه الأخبار لتضارُبها وتناقُضِها، لا يأخذ بها الباحث النزيه، فما بالك بالقاضي العادل في محكمة عادلة.. فرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يجالس اليهود، ويمارس التجارة معهم، كما كان عليه السلام يمازحهم؛ ثم إن عائشة رضي الله عنها، كان لها جارتان يهوديتان، تجالسانها في بيتها، وكنّ يتبادلن التهاني أيام الأعياد الإسلامية أو اليهودية كجيران؛ اُنظرْ "مُسنَد الإمام أحمد"، وكذلك المراجع المعتمدة.. لكنّ الذي كان أعدى أعداء اليهود بإجماع المؤرّخين، إنما هو "مارتن لوثَر" زعيم اللوثرية في أوربا في القرن 16؛ مما جعله الأب الروحي للنازية، التي أحرقت اليهود في القرن العشرين؛ اُنظر كتاب: "الخالدون مائة" صفحة 98؛ وهو كتاب كتبه مسيحي، وباحث في التاريخ، وعالمُ فضاء؛ وليس مسلما؛ فما قولُك؟
قال: في الإسلام يُقتل المرتدّ؛ لكنْ في المسيحية هناك حرية المعتقَد.. قلتُ: كذب عليك من قال لك هذا.. فليس في القرآن الكريم ولو آية واحدة تأمر بذلك لا تصريحا ولا تلميحا. لقد ارتدّ صحابيٌ اسمه "عبد الله بنُ أبي سَرح" ولم يقتلْه رسول الله. لكنّ الحُكمَ القاسي الذي يأمر بقتل المرتد صراحة إنما يوجد في الإنجيل، بالضبط في سِفْر "التَّثْنية"، حيث يأمر بإخراج المرتدّ خارج الأبواب، ثم رجْمه رجما جماعيا، بعد توفّر شهود عدة، وليس شاهدا واحدا؛ ثم قرأتُ النص وأنا أترجمه إلى العربية بشكل فوري.. لم يعلِّق صديقُنا.. قال: محمد أمر برجم الزاني والزانية، كما قال إنه كلما اختلى رجل بامرأة كان ثالثهما الشيطان؛ لكن السيد المسيح عفا عن الزانية.. قلتُ: نعم؛ عفا السيد المسيح عليه السلام عن المرأة الزانية، وبهذا العنوان ذُكرت في إنجيل "مَتَّى"، حيث قال لها: اِذْهبي لا تعودي لذلك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اِدرؤُوا الحدود بالشبهات.. لقد جيءَ بـ"المغيرة بن شُعبة" إلى عمر رضي الله عنه، بتهمة الزنا؛ وأمر بأربعة شهود؛ فاتفق ثلاثة وخالَفهم الرابع، فبرّأ عمر ساحة "المغيرة"؛ ولكن عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلى رجل بامرأة كان ثالثهما الشيطان"، فهو يقول ذلك حذَرًا وحيطة لا اتهاما وتجريما؛ لذا تجد محاكمَنا تحكم على رجل وُجد مع امرأة للشُّبْهة؛ إذ واقعة الزنا يصعب التحقق منها عمليا؛ وإلا لرُجم كافة رؤساء المصالح عندما يختلون بكاتباتهم لضرورة الخدمة الإدارية؛ لكنّ جماعة "طالبان، وداعش، والنصرة" يرجمون المرأة وليس الرجل، للشبهة؛ في وقت يبيحون فيه جهاد النكاح؛ وهو نكاح اجتمعت فيه كافّة شروط الزنا الفاضح؛ وهو ما يناقض الإسلامَ الذي يأمر بالحفاظ على الأنساب؛ فهل هؤلاء مسلمون؟
قال: المسيح أفضل من محمد، بالإضافة إلى أن للمسيح معجزات، ومحمدٌ لم يأتِ بواحدة تؤكد نبوّته؛ والسيد المسيح حذّرنا من الأنبياء الكذبة.. قلتُ: أولا سيدنا محمد عليه السلام، يكره أن نفضّل نبيا على نبي إذ قال: "لا تفضِّلونني على أخي موسى"؛ وهذا ينسجم مع ما أمر به الله تعالى.. لكن بخصوص المعجزات، فهناك أنبياء لا معجزات لهم على الإطلاق.. قال السيد المسيح: من بين من ولدتْهم أمهاتُهم، لم يبْلغْ واحد منهم قدْرَ ومنزلة يوحَنّا المعْمَدان.. وهو سيدنا يحيا بن زكرياء، الذي عمّد السيدَ المسيح في نهر الأردن؛ فهل أتى بمعجزة واحدة؟ الجواب: كلا.. كانت السيدة مريم عليها السلام تقول للسيدة أم يحيا: إن الذي في بطني يسجد للّذي في بطنك.. فكيف يسجد صاحبُ المعجزات للّذي لا معجزةَ له لو كانت المعجزات هي الدليل على النبوة، وعُلُو القدْر والمنزلة؟ أجبْني من فضلك.. ثم إن سيدنا يحيا تمّت تسميتُه في السماء، قبل أن يقع في بطن أمه عليها السلام.
قال: وماذا تقول في صَلب المسيح؛ فالمسلمون ينكِرون ذلك، وهذا هو جوهر الاختلاف بين مسيحي ومسلم؟ قلت: في الواقع ليس هناك اختلافٌ كبير.. ففي الأصل نحن متّفقون؛ لكنّ اختلافَنا هو حوْل مسألة الصَّلب وما تفرع عنها.. فمن حيث إن السيد المسيح رُفع إلى السماء فنحن متّفقون؛ وأنتم في المسيحية تؤمنون بـ"الصعود"، وهو فصْلٌ في الكتاب المقدّس؛ ونحن نؤمن بأن "الصعود" تم قبْل "الصّلب" الذي لم يحدث؛ وأنتم تؤمنون بـ"الصعود" بعد "الصلب"؛ ففي الأساس، نحن متفقون، والقرآن الكريم ينفي "الصلب" ويثْبت "الرفعَ" إلى السماء؛ والإنجيل يقول بـ"الصلب" ويقول بـ"الصعود" إلى السماء.. فالاختلاف هو أنكم تربطون الصلب بـ"الخلاص"، إذ إنّ المسيح صُلب ليؤدّي مُسْبَقا ثمن خطايا المسيحيين، إذ يقول الإنجيل: هكذا أحبّ الله العالَم، حتى لإنّه بذل ابنَه الوحيد لينال الخلاص كلّ من آمن به، فتكون له الحياة الأبدية: إنجيل "يُوحَنّا" الإصحاح: 3-16.. فالمسيحية ديانة تركز على الاعتقاد فقط؛ فيما الإسلام ديانة عملية، تركز على العمل، وبموجبه يُجزَى المسلمُ سلْبا، أو إيجابا، وهذا هو الاختلاف الجوهري.
قال: إن محمدًا ارتكب أخطاءً، وأتى ذنوبا، فيما المسيح لم يقترف ذنبا واحدا. قلتُ: إن المسيحيين لا يبرّئون أي نبي من أنبياء الله عليهم السلام، وليس محمدًا فقط؛ وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليبرئ كافة الأنبياء مما نُسب إليهم من ذنوب، وآثام، بمن فيهم السيد المسيح، لذا جعله الله تعالى إمامَهم وخاتمهم؛ كيف ذلك؟ ففي المسيحية، نجد أن سيدنا نوح تعرّى أمام أبنائه، وبدت سَوْأتُه للعيان.. وسيدنا لوط زنا بابنتيه.. وسيدنا يعقوب خدع خالَه، وسرق بركة أخيه.. وسيّدنا داوود ضاجع طفلة لا يضاجع مثلُها؛ وسيدنا سليمان أخذ ظلمًا زوجةَ الراعي؛ وسيدنا إبراهيم كذب إذ قال عن زوجته إنها أختُه، خوفا على حياته، فكان جبانا اُنظر: سِفْر الملوك؛ الكرونيكَل الثانية؛ بل حتى السيد المسيح نهر أمَّه مريم، وقال لها: ما لي ولك يا امرأة؛ وهي عبارة من أقذع شتائم ذلك العصر.. فجاء رسول الله وبرّأ ساحة إخوانه أنبياء الله، وهذه أهمّ من أية معجزة، ودليل على قَدْره ومنزلته صلى الله عليه وسلم؛ والآن سأودّعك أيها السيد النبيل؛ وتشرفتُ بمعرفتك.. قال: لقد كان الحوار مفيدا وممتعا؛ هذا هو الواقع؛ وقد شوّقْتني للإسلام ثانية.. قلتُ: شكرا لك؛ أما الإيمان فهو بالاقتناع وليس بالإقناع.. إلى اللقاء!


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق