هكذا كان يجب الرد على الأمريكان بعد تقرير الكذب والبهتان

هكذا كان يجب الرد على الأمريكان بعد تقرير الكذب والبهتان

2016-06-05 12:32:02

فوالله لو كنتُ صاحب أموال، غنيا، وميسور الحال، لاكتريتُ صفحة لمدة شهر في جريدة "نيويورك تايمز" وصفحة أخرى في "واشنطن بوست" ولطلبتُ من وطني صادق كتابةَ مقالات مركَّزة، وبأسلوب رشيق، وعبارات ملتهِبة، ومدعَّمة بحقائقَ تاريخية، ومشحونة بأسئلة واستفهامات إثباتية، تحمل أجوبتَها فيها، لا يسع القارئ إلا التسليم بها، نظرا لمضامينها المحرِجة، ومنطقها القوي، وحُجَجها الدامغة.. لو كنتُ من أصحاب الأموال، لاستقدمتُ طاقما تلفزيا مع مخرجه من أمريكا، لينجز شريطا وثائقيا عن حقوق الإنسان في بلدي، ولجاهدتُ بمالي في سبيل عزة وكرامة ووحدة وطني الترابية، وهذا أمر سهل، لو توفرت الأموال، إذ لكل شيء ثمنُه في أمريكا، حيث كل شيء يباع ويشترى في بلد "البراغماتية" والمصالح المادية.. فالرئيس الأمريكي، قبل تناوله وجبة الفطور، مثله مثل باقي المسؤولين، يتصفّح الجرائد أولا، فيقرأ المقال المهم، أو يطلب من ملحقه الصحفي إنجاز ملخص لذلك المقال ووضعه على مكتب الرئيس فورا؛ ثم مصيبتُه إذا كان "المقال الصادم متبوعا بمقالات أُخَر لمدة شهر.. ومعلوم أن الرئيس قد لا يشاهد قناة، ولكنه لا تفوته مقالاتٌ على صفحات جرائد ذائعة الصيت، علما بأن ما يقال يذهب هباءً فيما المكتوب يبقى موثَّقا على مدى الدهر.. عملٌ كهذا يتطلب وطنيين صادقين عزُّوا في زماننا..
ألا تعلم سيدي القارئ، وأنت سيد العارفين، بأن مقالا ردَّ حقّا مهضوما، وفضح ظلما مشؤوما، وعرّى عن عورة خونة، وهزّ دولةً من أساسها، واتُّهِمت قطاعاتٌ فيها ومؤسساتٌ غير نزيهة، وكان هذا المقال "القنبلة" قد كُتب في بداية القرن 20، وكان كاتبه هو الأديب الكبير "إيميل زولا" بعنوان "J'accuse" يعني "إنني أتهم"، وكان موضوعه الاتهام الظالم الذي طال المدعو "دريفوس" آنذاك، فأُنصف المظلوم، وأُعيدت الكرامةُ لكافة اليهود في فرنسا، حيث كانوا عرضة لاتهامات باطلة، ومادة للسخرية في المجتمع، ومن ثَمة وهم ينعمون بكافة الحقوق والاحترام إلى يومنا هذا، وتغيّرت نظرة الناس جذريا وسُفِّه من كانوا وراء هذه المؤامرات، والدعايات المغرضة، وانقلب السحرُ على الساحر كما يقال.. وهكذا كان ينبغي التصرف مع تقرير الخارجية الأمريكية الأخير، بدل صرف أموال على مراكز فاشلة، وأحزاب باهِلة، وجمعيات جاهلة، وتبذير أموال طائلة في حملات تحت شعار محاربة الفساد، ورصْد مليارات لأناس لا خير فيهم للوطن وقضاياه، بل يذهبون للسياحة عبر العالم، بأموال شعب ما خدموه يوما، ولا حققوا للوطن نصرا، ولا ردّوا حقا، ولا دحروا عدوا، ولا شرّفوا في مواقع النزال، بل كان دفاعُهم مجرد إسهال ليس إلاّ..
كان على هؤلاء أن يُفْهِموا أمريكا أنّ المغرب بلد عريق، ومستقلّ، وذو سيادة، فلا ينبغي "لواشنطن" أن تحشر أنفَها في قضاياه، كما لو كان مثلا جزيرة "سايبان" أو "تينيان" في المحيط الهادئ.. على أمريكا أن تدرك أنه في الوقت الذي كانت فيه تقتل الهنودَ الحُمْر، وتستعبد السود، في مزارع السُّكَر، كان المغرب ينعم بحقوق الإنسان، بقيادة سلاطين، كانوا ملوكا، وأئمّة وأمراء للمؤمنين، يتّقون الله في الرعية، ويطبّقون حقوق الإنسان كما جاء بها الإسلام، وعلّمها خير الأنام عليه السلام منذ 14 قرنا وليس 200 سنة؛ وفي الوقت الذي كانت فيه أمريكا تساند أنظمة عدوّة لحقوق الإنسان هنا وهناك، كان المغرب يبني مؤسسات، وكان حقُّ الإضراب مشروعا دستوريا، وكان حق المتهم في الدفاع عن نفسه مكفولا، وكانت المواجهة في المحاكم بين المحامين، ترتكز على الأدلة والبراهين، وليس مبارزة في البلاغة كما هو الشأن في محاكم أمريكا حيث الغلبة تكون للفصيح، لا لصاحب الأدلة الدامغة..
طيلة 14 قرنا، لم يتم اغتيال شخصية في المغرب، بسبب دفاعها عن حقوق الإنسان، فيما في أمريكا تم اغتيال أعلام حقوق الإنسان كالرئيس "لينكولن" سنة 1856، و"كيندي" سنة 1963، بالإضافة إلى رئيسين آخرين هما "غارفيلد" و"ماكنللّي" ثم زدْ عليهم زعماء من أمثال "لوتَرْكينغ" الذي اغتالته "الصهيونية المسيحية"، وهو مسيحي الديانة، و"مالكوم إيكس" الذي اغتالته "الماسونية"، وهو مسلم، بتعاون مع مسلمين مزيّفين.. ثم ماذا؟ كل الذين ساهموا في بناء القنبلة الذَّرية، وندموا على ما فعلوه، وصاروا ينادون بالسلام وبحقوق الإنسان، من أمثال "آينْشتاين" صاحب الرسالة المشؤومة إلى "روزڤلت"، وكذلك "أوبّنهايْمَر" المشرف على مشروع "مانهاتن النووي"، ومعهما ممثلان من أمثال "شارلي شابلن" الذي اضطر لمغادرة أمريكا، والاستقرار نهائيا في "سويسرا" كل هؤلاء كانوا هدفا للتهم من طرف "المكارتيين" المغرضين، مفَبْركي التهم الرخيصة والظالمة.. كل هذا موثَّق، وليس كلاما لجمعيات خائنة، أو منظمات معادية، أو خونة مأجورين وسماسرة مفضوحين..
يقول الفيلسوف الأمريكي "هانري دَيْفِد ثورو" مخاطبا حكومات حقوق الإنسان في وطنه أمريكا: "اِسْمعي أيتها الحكومات! إنك حين ألقيتِ القبض على رجال أفذاذ، وجززْتِ رؤوسَهم، فلم تفعلي بذلك شيئا سوى أنك ارتكبتِ جرما شنيعا، وأما رأس الشّر فلم يصبه الأذى، بل أنتَ الشر بعينه.." وكان "ثورو" يدافع عن حقوق الهنود الحُمْر، والزنوج، وكافة المظلومين؛ وبسبب الظلم الذي طاله، وكثرة السجون وما عاناه فيها من سوء معاملة، انتدب في غابات "وُولْدَن" مكانا قصيًا، وأقام لنفسه فيها كوخا صغيرا، حيث عاش وحيدا في عزلة تامة حتى مات وهو في الخامسة والأربعين من عمره؛ تلكم حقوق الإنسان كما دوّنها تاريخ الأمريكان.. أجل! مات المدافع عن حقوق الإنسان وحيدا في الغابة، لكن أمريكا رحّبت بصاحب فلسفة استغلال الإنسان، وأعني بذلك الفيلسوف صاحب "البراغماتية" وهو "تشارلز بيرس".. لقد خجل أن يستعمل اللفظة الجارية الدالة على هذا المعني وهي لفظة [Practice]؛ فصاغ لنفسه كلمة قريبة منها لتدل على ما يريده وهي كلمة [Pragmatism] عساها كما قال هو نفسه أن يكون لها من القُبْح ما يصرف عنها الخاطفين واللصوص؛ ولعلّ هذا القبح قد انسحب على سياسات أمريكا بوجه عام.. ولكنّ الكلمة سرقها اللصوص وطبقوها، وهؤلاء، هم، ولأسباب براغماتية، يخونون وطنهم، ويمدّون أمريكا بأكاذيب ضد بلدهم، ولكنّ أمريكا عندما لا تعود بحاجة إليهم، هي نفسها تفضحهم، وتنشر قائمة بأسمائهم، كما فعلتْ بالخونة المتعاونين معها في "فيتنام" سنة 1975..
يقول الفيلسوف الأمريكي "ويل ديورانت" صاحب موسوعة "قصة الحضارة" (20 مجلَّدا)، إن الشعوب الخائفة، أو المتردّدة، أو التي تنهج سياسة الاسترضاء، لا تصنع حضارةً أبدا، وهذا صحيح بلا ريب؛ وأمام أمريكا لا تجدي سياسة الاسترضاء، بل الأجدى هو أن يكون لكل فعلٍ ردُّ فعلٍ مساوٍ له في الشدة، ومعاكس له في الاتجاه كما تقول "الفيزياء". ففي سنة 2004، وخلال اجتماع في "روما"، أخذ "بوش" الكلمة واتهم فرنسا؛ فانبرى له "شيراك" بالرد قائلا: "فرنسا دولة ذات سيادة، ومستقلّة في مواقفها؛ اِحترمْ نفسَك، وقفْ عند حدودك"، ومنذ شهر، مر "باراك" بـ"لندن"، ونصح الإنجليز بالبقاء ضمن الاتحاد الأوربي، فردّت عليه الصحافة والمجتمع المدني بالقول: "لسنا بحاجة إلى دروسك أو نصائحك، وبريطانيا أعْرفُ بمصالحها منك".. وهذا ما ينبغي أن يفعله المغاربة تجاه كل من يحشر أنفه في شؤونهم، أو يعطيهم دروسا هو أولى بها منهم، ولكن في عهد حكومة "بنكيران" يبدو هذا الموقف الحازم متعذّرًا، أما مراكز الدراسات فهي أفرغ من بطن أمّ موسى، كما يقال..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق