خاصّ بخصوم المرأة (2-1)

خاصّ بخصوم المرأة (2-1)

2016-06-14 09:35:47

كان في نيتي المشاركة في اليوم العالمي للمرأة، أعني يوم 08 مارس، عبر مقالة في الموضوع، ولكن لظروف قاهرة لم أكن في الموعد كما كنتُ آمُل.. إلا أنه الآن جرت أخبار تحتّم العودة إلى موضوع المرأة، أولها يتمثل في اختيار أعضاء المحكمة الدستورية من دون أن تكون من بينهم امرأة، مما يبيّن أن العقلية الذكورية هي السائدة في هذا البلد، وما يقال عن المرأة إنما هو دعاية كاذبة ليس إلا، ولا فرق في ذلك بين أحزاب، وحداثيين، وملتحين، إذ الأفعال هي المعبّرة عن نوايا الإنسان وليس الأقوال؛ فالإنسان هو ما يفعله كما يقول فلاسفة "الوجودية".. أما الخبر الثاني فهو فتوى لفقيه من [أبغض القرّاء] كما سمّاهم النبي الكريم، وحذّر منهم، حيث قال: [احْثُوا في وجوههم التراب] يعني الإعراض عنهم، وعن أقوالهم.. مضمون هذه الفتوى، هو تحريم خروج المرأة للعمل خارج البيت، وهو موضوع حديث الشارع هذه الأيام، مما يعتبر تحريضًا ضد المرأة، وهو ما يتطابق تماما مع ما قد سبق وأفتى به الشيخ "إسْحاق الحويني" في مصر، مفاده أن المرأة جاهلة مهما حصلت عليه من شهادات عليا في المجتمع.. وبما أن الفقيه يتحدث ويكذب باسم الدين، فإني سأردّ عليه بما استقيتُه من كتب الدين، والتراث الإسلامي الذي يجهله، وسأذكّره بنماذج لنساء مسلمات، دون أن أتطرّق لنساء غربيات، حتى لا أتّهم بأني مصاب بعقدة الغرب، أو "الاغتراب"، وهي تهمة دُرجوا على ترديدها وبها عُرفوا عامة..
في البداية، يجدر بي أن أذكّر بأن الفقيه النزيه، عليه أن يلتزم بمصالح أهل مجتمعه، ومذهبهم الذي يأخذون به.. عليه أن يستنبط الأحكام من مذهبهم، بدل اعتماد مذاهب أخرى.. فنحن على مذهب الإمام "مالك" الذي يقول بما يسمّيه "المصالح المرسَلة"؛ فلو اطّلعتَ عليها لوجدتَه يستحسن عمل المرأة، ما دام الأمر يتعلق بمصلحة تفيد الأمّة، بدلا من أن نسجن في البيت طبيبةً، أو مدرّسة، أو طيارة، أو محامية، مما يمثّل إهدارا لطاقات ما أحوج البلاد إليها.. لقد ردّ رسول الله على أحدهم نهَر النساء، فقال له النبي الكريم: "هنّ خيرٌ منك"؛ وهو ما أقوله لك أيها الفقيه بلا فقه، ولا عقْل، ولا اطّلاع؛ فلا تُفتِ الناسَ بجهلك، وهو ما قاله الخليفة العباسي "المهدي أبو عبد الله" لفقيه من أمثالك: "أشهد أن قفاك قفا كذّاب" اُنظرْ كتاب "الخلفاء" للسيوطي؛ صفحة: 318..
ها هي سيدتنا "عائشة" رضي الله عنها يوصينا النبي صلى الله عليه وسلم أن نأخذ نصف ديننا منها قائلا: "خُذوا نصف دينكم من هذه الحُميْراء"، فكيف يطلب النبي الكريم ذلك لو كانت المرأة غير كفأة، خصوصًا والأمر يتعلّق بالدين! وعندما شُبِّهت المرأة بالكلب والحمار، ردّت السيدة رضي الله عنها بالقول مستغربةً من حماقة هذه الفتاوى: "يا سبحان الله، شبّهتمونا بالكلاب والحُمُر" اُنظر "صحيح البخاري"؛ جزء I؛ حديث رقم: 514.. ثم جعلوا النساء ناقصاتِ عقلٍ، ثم جعلوهنّ أكثر أهل النار: [نفس المرجع؛ الجزء الثاني؛ حديث رقم: 3241.. فليس غريبًا أن تُتَّهم المرأةُ بالجهل رغم علمها، وليس غريبا أن تُسجن في البيت رغم طاقاتها الهائلة، ومن النساء من تفوقْن حتى على الرجال أي والله! وقفتْ سيدتُنا "فاطمة" رضي الله عنها، تخطب في الناس، خطبةً أعجزت جهابذة اللغة، ونقاد المعاني، وسادة البلاغة، وصنّاع العبارات، بالإضافة إلى شجاعتها وجرْأتها، فلا أخالك قرأتَ هذا الخطاب يا شيخ، ثم أعتقد أنك لم تسمع بموقف سيدتنا "عائشة" وهي تخرج للتنديد بسياسة "مروان بن الحكم" على عهد "عثمان"؛ عندما جمّد أجور الصحابة، وانتقص من معاشات آخرين، فيما أغدق على ذويه، وهو ما يحدث اليوم في بلادنا، فما سمعناك تندّد بسياسة "بنكيران" في هذا الميدان، إسوة بسيدتي وسيدتك "عائشة"، كما أنها خرجت للوساطة في ما شَجَر بين الصحابة، لكنّ الأعداء تدخّلوا وأجهضوا محاولتها، ثم كان ما كان مما علمناه من مأساة الفتنة الكبرى.. كانت سيدتنا "خديجة" سيدةَ أعمال ناجحة، وكانت تُحاسب الرجال، وتناقش الأثمان، وتدقّق في الحسابات مع التجار، ومع خُدّامها، كما كانت ترفع من معنويات النبي الكريم في بداية بعثته.
وهذه "هند بنت عُتْبة" أم "معاوية" كانت امرأةً ذات حزْم، وصرامة، ورباطة جأش، حتى كان لها رأيٌ بين الرجال، وكانت مواقفها تُحتَرم، وكلامها مسموعا، ورأيُها يعادل رأيَ سادة القوم في الجاهلية وبعد مجيء الإسلام.. سمعتْ يوما بأن بعضا يتّهمونها بالزّنا، فجاءت غاضبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: "يا رسول الله، أَوالحرّة تزني؟!"؛ فأجابها النبي الكريم: "كلاّ وحاشا ذلك".. لهذا علينا أن نجعل من المرأة المغربية سيدةً حرّة، ومعتزّة بنفسها، ما دامت الحرّة لا تزني، عكس المستعبدة والمقهورة.. فنحن عندما نتحدث عن حرية المرأة، فذاك لا يعني التفسُّخ والانحلال، وإنما نعني به الحرية، والالتزام بأخلاق الأمّة، وقيمها، وشرفها، عكس ما يعتقده آخرون، وهم قلّة، ترهقهم ذِلّة، ولا يسمعهم إلا قليلو الدين، والمتجرّدون من الملّة.. هذه هي الحقيقة..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق