المتقاعد وحصان عَرَبة البلدية العجوز

المتقاعد وحصان عَرَبة البلدية العجوز

2016-07-15 11:50:45

في آخر حياته كان الفيلسوف الألماني الشهير "نيتشه" الملقّب بجبل "كيليمانْجَارُو" الفلسفة، وهو أعلى قمة في إفريقيا؛ كان "نيتشه" يمشي في الشارع، فراعَه صاحبُ عربة نقل، يضرب بشدّة الحصانَ الذي يجرّ تلك العربة الثقيلة، ومن شدة الضرب، سقط الحصانُ العجوز على الأرض، وكان الدم يسيل من فمه، فارتمى "نيتشه" على الحصان وعانقه باكيا قائلا له: "اِصبرْ يا صديقي، فأنت وأنا نتقاسم نفس الوضع".. قيل وقتها إن "نيتشه" أصيب بخلل في عقله، وهو رأيٌ لا أوافقه، إذ كيف يصاب إنسانٌ في عقله إذا ما رثّ لحال حيوان بريء، أفنى حياتَه في خدمة شاقّة، وعندما أصبح عاجزا، كان جزاؤه الضرب بالسوط؟! بعد هذا المشهد بأيام قليلة، فارق "نيتشه" الحياة: اُنظر كتاب: "نيتشه مكافحًا ضد عصره" لكاتبه: "رودولف شتاينَر"؛ صفحة: 33.. قد يرى القارئ الكريم، أن هذه نغمة حزينة، بل متشائمة، وأنا لا ألومه، فهي فعلاً كذلك، وجوابي هو ما قاله يوما "شوبنهاور": "أنا متشائم لأن عصري فرض عليّ ذلك، وكاتبُ هذه السطور إن كان في هذه المقالة متشائما، فلأن السياسة المنتهجة في وطنه فرضتْ عليه ذلك.. هذا هو الواقع..
لكن ما المراد بهذه القصة الحزينة يا تُرى؟ إنها قصة حدث مثلُها في بلادنا.. فسائق العربة منعدم الشفقة، والرحمة، هو "بنكيران"؛ وحصان العربة العجوز الذي كوفئ بالسوط هو المتقاعد في بلادنا، و"نيتشه" المختلّ عقليا لدفاعه عن الضحية هو كلّ من يدافع عن المتقاعد عن حُسْن نية، ودون سوء طَوية.. وكثيرا ما شبّهتُ المتقاعد في بلادنا بحصان عربة البلدية؛ فعندما يُحال على المعاش يباع لحديقة السّباع، أو لفهود السّيرك لتأكلَه بشهية وشراهة حيوانية.. هذا هو وضعُ المتقاعدين اليوم في عهد "بنكيران" صاحب الدعوة إلى الله، وهو من المكْثرين من الصلاة على النبي الكريم الذي سُئِل: أو لَنا في الأنعام أجر؟ فأجاب عليه السلام: "أجل في كل كبد رطْبة أجر" و"بنكيران" لا كبد رطبة له بين ضلوعه، ومعه زبانية الحكومة تساندهم أغلبية في مجلسَي البرلمان ، و النقابيين الذين يموهون على كافة المواطنين.. كلّ ذلك امتثالاً لمؤسسات نقدية دولية، نحن نعرف تعاملها مع الحكومات الفاسدة عبر العالم كما قال المغنّي البريطاني الكريم "بوب غيلدوف" وهو الذي نظّم مهرجانًا موسيقيا عالميا سنة 1984 لإطعام الجائعين في إثيوبيا، أيام الخنزير الأحمر الشيوعي "مانْغيسْتو هَايْلي مارْيا" الذي اشترى بنصف المبلغ باخرة محمّلة بالخمور، دون مراعاة لمأساة شعبه؛ وهذا بالضبط ما تقوم به حكومة "بنكيران" حفاظا على امتيازاتها، وكراسيها، دون مراعاة لمآسي الشعب..
هل يُعْقل أن تمرّر قوانيـنُ التقاعد بسبعة برلمانيين، في قبة البرلمان، ورهْط في قبة المستشارين؟ هل نحن في المغرب أم نحن في قبيلتَي "الأوس والخزرج"، حيث الكلمة لسيد قومه وحاشيته، يفعلون ويُقرّرون ما يشاؤون؟ هل يعقل أن تأتي المواطنين طالبا منهم أصواتهم في الانتخابات ثم لا تسمع أصواتهم وهم يندّدون، ويتذمّرون، ويستغيثون وكأنهم ذهبوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار جلاّديهم، وهو ما عناه "هيغل" حين قال: "العبدُ حرٌّ في اختيار جلاده، أما ما عدا ذلك، فلا اختيار له ولا حرّية؛ وحتى وإن اكتشف عن وعي وضْعَه فلا سبيل للتغيير، لأنه وعيٌ شقي..".. ونحن في هذا البلد واعون تمام الوعي، ولكنه "وعيٌ شقي" هيهات مِن أن يغيّر وضعًا فرضته "نوموكلاتورا" بنكيران، ومعه تماسيحُه في الحكومة وعفاريتُه في البرلمان..
لقد صوّت له بعض المغاربة، فائتمنوه فخذلهم، وثاقوا به فغدر بهم، فكان "المعزل المنصوب هو رمز الخيانة" كما قال "سارتر".. لقد راهن المغاربة على "بنكيران"، وما كانوا يتوقّعون إطلاقا ما صدر عنه، حيث خدعهم بالله فانخدعوا له؛ فرأيتَه يغدق على حاشيته، وعلى المتآمرين معه على الشعب، ولكن هذه هي مخاطر السياسة، ومغامرات صناديق الاقتراع، حيث يراهن الشعب بورقة التصويت، فإذا هي "ورقة تائهة في يناصيب الممكنات" على حد تعبير "كلود ليڤي شتراوس" زعيم "البنائية".. لكن لا عيب إذا أخفق الشعب في الاختيار، لأن الإخفاق هو أداة من أدوات الكشف، والوعي، والمعرفة الحقة بأسباب وظروف ذلك الإخفاق، وبالفعل كشفنا خداع "بنكيران" بعد الإخفاق، شريطة ألاّ يتكرر هذا الإخفاق، رغم أنه وارد في مضمار السياسة؛ ولعل هذا ما عناه "نابليون" حين قال عبارتَه الشهيرة: "السياسة هي القدر"؛ وبعد خيبة أمله تحوّل من رسول حرّية إلى طاغية، تماما كما هو حال "بنكيران" اليوم، نرجو الله أن يعجّل بذهابه.. آمين!


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق