بين ربيع "برَاغ" وربيع "بنكيران"

بين ربيع "برَاغ" وربيع "بنكيران"

2016-07-19 12:04:11

ليلة عيد الفطر السعيد، اتصل بي صديق قديم، وبعد عبارات التبريك، سألني عن الأصل في عبارة "الربيع العربي"، وقال لي بالحرف: "خَصَّكْ ديرْشي مقال في هذا الموضوع"؛ فوعدتُه بذلك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى.. حاولتْ زوجتي مساعدتي بالقول، إن "الربيع العربي" مثله مثل "ربيع براغ" في تشيكوسلوفاكيا سنة 1968، حيث حدث في فصل الربيع، وذاك أصل التسمية.. فكان جوابي: "لا ربيع براغ، ولا الربيع العربي حدثا في فصل الربيع؛ فالذي وصف الربيع في موسم الربيع، وعَنْون قصيدتَه الوصفية بالربيع، إنما هو "البُحتري" شاعر الوصف، حين أنشد: أتاكَ الربيعُ الطَّلاقُ يختال ضاحكًا * حتى كاد مِن الحسْن أن يتكلّما… ولهذا [Le Printemps de Prague] لا علاقةَ له بالربيع، ولا هو حدث في فصل الربيع: اُنظر: جريدة "الفيغارو"، وبها مقال لمراسلها يوم 22 غشت، من سنة 1968، حين اجتاحت الدبابات الروسية فجأةً شوارع "براغ"، تحت غطاء "حلف وارسو".. أو تصفّحْ "تاريخ القرن العشرين" المجلد الثاني..
كان "التشيكوسلوفاكيون" قد توهّموا أن خريف الشيوعية قد ولّى، وأن شتاءَ الماركسية قد انتهى، وأن ربيعَهم قد أتى يختال ضاحكا حتى كاد من الحُسن أن "يتكلّما".. لكنهم كانوا يحلمون، لأن الجدار الحديدي الذي أحاطت به الشيوعيةُ الروسية بلدانَ أوربّا الشرقية كان من المستحيل الخروج منه تماما كما فعلتْ يوما النازية.. فالربيع الذي اعتقدوه لحظة إنما كان بمثابة انفراج خادع يسبق العاصفة الشتوية ليس إلا، وهو ما اعتقده بعض العرب، فإذا بالربيع الذي توهّموه كان زلازلَ وبراكيـنَ مدمِّرة ولم يكن ربيعا كما توهّم الرومانسيون وصنّاع اللافتات البراقة؛ بل كان "ترويعا عربيا" وليس "ربيعا عربيا"، حيث أثبت الواقعُ بطلانَ العبارة، وكما اجتاحت الشيوعيةُ تشيكوسلوفاكيا وتغلغلت في دواليب الحكْم، وعزلت هذا ونصّبت ذاك، اجتاحت الظلاميةُ بلدانا عربية، وبرزت الظلامية وادعى "مُسَيْلمتُها" الخلافةَ، وحاولت إقامة كيانات دموية، كما أقام الشيوعيون أنظمة وحشية في كافة بلدان أوربا الشرقية المسجونة..
كان الزعيم "دوب تشيك" يريد أنْسَنَةَ النظام الشيوعي في بلاده، فبدأ بحرية الصحافة والفن، ثم أراد إحلال الديموقراطية محلّ الإملاءات الروسية، فكانت نهايتُه أن عُيّن سفيرًا في تركيا ثم انتهى به الأمر عاملا بسيطًا في محطة كهربائية، ومن ثمة لم يظهر على الساحة إلا سنة 1989، يوم 24 نونبر، إلى جانب الأديب "ڤاكلاڤ هاڤِل" أول رئيس ديموقراطي لتشيكوسلوفاكيا الحرة، الذي كان طيلة حياته عدوّا لدودا للشيوعية والشيوعيين الظلاميين.. بعد اجتياح دبابات الشيوعية لبراغ أفل الأمل، وعمَّ اليأس، وحلّ الغمّ والتذمر، والسخط العارم، قام طالبٌ شاب يُدْعى "جان بَلاَش" بإحراق جسده في ساحة عمومية احتجاجا على سوء الأوضاع، تماما كما فعل الشاب التونسي "البوعزيزي" في بداية ما أسموه "الربيع العربي"؛ وهكذا أقدم الشابان التشيكي والتونسي على عمل لا جدوى منه؛ فهو عملٌ كان يقدم عليه البوذيون في "فيتنام" أيام الرئيس الطاغية "ديِيم"، وأختِه الكاثوليكية التي كانت تبطش بكل مَن خالفها في الدين أو المعتقد..
ونحن في المغرب نعيش نوعًا خاصّا من "الترويع العربي" الذي فرضه علينا "بنكيران" بطريقته الخاصة.. فكم من مغربي أحرق جسدَه، وكم من آخر شنق نفسه، وهي ظواهرُ لم يعرفها المغربُ يومًا قبل مجيء "بنكيران" إلى السلطة.. لكن كل مرة يبرّرون هذه الأحداث بالأحوال النفسية، ونسوا أن كل هذه الحالات النفسية مصدرُها العالم المحيط بالفرد، لأن الحالة النفسية إنما هي انعكاس لمحيطها الخارجي، وإحباطاته.. نعم قد يولد الإنسان معوَّقًا جسديا أو ذهنيا؛ لكنه لا يولد بائسا أو مختلاّ عقليا، أو مصابا نفسيا بل يصير كذلك؛ وهو ما عناه علماء النفس: "نفسٌ تأمل، وواقعٌ خارجي يحبط" اُنظر كتاب: "علم النفس في مائة عام" من تأليف: "فلوجَلْ" دار الطباعة، بيروت.. فالناس كانوا يريدون ويطمحون وينتظرون، وقد غذَّى "بنكيران" لديهم هذه الآمال بوعوده الكاذبة؛ لكنه في الأخير أحبطهم، ومنهم مَن لم يتحمّل صدمة الإحباط، والشعور بالخيبة فانتحر لشدة اليأس، ووطأة التذمر، رغم كثرة الوعظ والإرشاد والحث على الصبر، وقد صدق "مَالْرُو": "الناس يقتاتون بالخبز، وليس بالكلمات".


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق