أحزاب "دَوّارة الهواء" وطحْن الماء وتكرير الخواء

أحزاب "دَوّارة الهواء" وطحْن الماء وتكرير الخواء

2016-07-20 11:12:11

في أواسط الستينيات، بدأ يأفل نجمُ الماركسية؛ وفي السبعينيات دخلتْ قاعة الإنعاش، وأحاط بها الأطباء والجراحون، في محاولة منهم لإنقاذها، وكانت الشعوب التي ترزح تحت نيرها قد بدأت تحاول خلعَ "جاكيت" الماركسية الضيقة عن جسدها، ومن ذلك ما حدث في تشيكوسلوفاكيا سنة 1968، فاستعملت الشيوعية المطرقة لتكسير العظام والجماجم، والمنجل لقطع الأعناق، فازداد لونُها حمرة قانيةً أكثر ممّا كان، وتعرضت الماركسيةُ لنقدٍ حادّ خاصة بعد صدور كتاب: "نقْد العقل الجَدلي" لجان بول سارتر، الذي أوضح فيه أن الماركسيةَ أوغلت في المادية، وتجاهلت حقيقة الإنسان الحي.. في هذه الأثناء، بدأ المفكّرون الماركسيون، بالدفاع عن الماركسية، وبأن اكتشافات العلوم الحقّة تسْنُد مبادئ النظرية العلمية الماركسية، وانتقَوا من هذه العلوم ما يوهّم الناسَ [بعِلْمية] الماركسية، تماما كما فعل "ماركس" حين انتقى من التاريخ ما يدلّل به على صدق فلسفته، ولكن التاريخ كذّبه، بحيث تنبأ "ماركس" بأن الشيوعية ستبرز في بلد صناعي كبريطانيا، أو ألمانيا، أو فرنسا؛ فإذا بالشيوعية تبرز بحدّ السيف في بلدين زراعيين هما "روسيا والصين" وتكوّنت فيهما إقطاعيةٌ حاكمة، وشعبٌ يعيش على الفُتات في جوّ الرعب والخوف.
من أبرز محاولات هدفتْ لتلميع صورة الماركسية الباهتة التي داهت الفلسفة "البنائية" تلك الجنّية التي افتُتِن بها العالم فجأة، وتحوّلت لفظة "البنية" إلى موضة تُوشّي كلامَ المتحدّثين في وسائل الإعلام، حاول كاتبان روسيان إحياء الماركسية، وهما "فاسّيلي بودوسْتَنيك، وأُوفْشي ياخُوت" حيث ألّفا في أواخر السبعينيات كتابًا بعنوان: "ألفْ باءْ المادية الجدلية" ترجمة: "جورج طرابيشي"، وقد حشدا فيه عدة حقائق علمية، رغم أن هذه الحقائق العلمية هي من نتاج غربي ترفضه الماركسية، ثم الغريب في الأمر، هو توظيفهما للأساطير والخرافات المرفوضة أصلاً في الماركسية، مما يبيّن أن هذه الماركسية قد دخلت طوْر الهذيان، ومن بين الخرافات المعتمدة في هذا الكتاب، نذكر خرافة: "دوارة الهواء، وإبرة البوصلة"؛ صفحة: 87.. يقول الكاتبان:
"في الحكاية الخرافية، نقرأ مسَاجلةً نشبتْ بين دوارة الهواء وإبرة البوصلة الممَغْنطَة؛ فقد طفقتْ دوّارةُ الهواء تتباهى بالقول: إنني حرة، إنني أدور في كل اتجاه حسْبما يحلو لي، اليوم إلى اليمين، وغدًا إلى اليسار؛ أما أنت فكيفما أداروكِ عدتِ لتُشيري على الدوام إلى الاتجاه ذاته. فردّت الإبرة الحادة: ما أبدعَها من حرية تلك التي تدّعين! إنك تدورين يمينا ويسارا ليس بإرادتك، إنما الرياح هي التي تقودك فتتنقّلين من ريح إلى ريح، بل حتى النسيم يترك أثره فيكِ، فيما أحافظ أنا دوما على اتجاهي مهما كانت تقلبات الطقس، وأشير دوما إلى سواء السبيل..".. لعلّ هذين الماركسييْن كانا يريدان أن يُفْهِمانَا أنّ الأحزاب الماركسية هي مثل إبرة البوصلة في التزامها بالمبادئ، ولا تحيد عن السبيل، ولا تعبث بها الرياح؛ لكن ما قولهم اليوم والأحزاب الماركسية صارت بمثابة دوّارة الهواء، ودليلي على ذلك تبدّلُ وشطحاتُ شيوعيين واشتراكيين في بلادنا، فتراهم في كل وادٍ يهيمون، فحتى "بنكيران" اشتراهم بفلسيْن وكان فيهم من الزاهدين؛ فليس غريبا أن تسمع الماركسيين يدافعون عن الإسلاميين، ومنهم من يتذرع بخدمة الوطن، وهي كذبة كبيرة كما قال "نيتشه" ذات يوم، وهو على حق.. فماذا قدموا للوطن؟ ماذا حقّقوا للكادحين؟ لا شيء! لقد صار رؤساء الأحزاب الماركسية أذنابًا، ودُورُها خرابا، ووعودها سرابا، والماركسية نفسُها وارتْ ترابًا.. ففي بلادنا أصبح لا فرق إجمالاً بين كل الأحزاب، اللهمّ ما كان من رموز تشبه "هيروغليفيا" قدماء المصريين؛ فأين من حمامة، ومن فرس، ومن وردة، ومن كتاب، وهلمّ جرا؛ وبذلك كان المصريون يتواصلون، ولكن تلك الرموز كان لها مقابل في الواقع، أما رموز هذه الأحزاب فهي مجرّد علامات تجارية مثل الفرس مثلا يرمز إلى سيّارة "فورد موستانغ"، والأسد يرمز إلى "بّوجو" والفهد يرمز إلى سيارة "جاغوار"، وورقتَا البِرسيم إلى "سيتروين"، وهذه كلها ترمز إلى تجارة السيارات، وأما رموز أحزابنا فترمز إلى التجارة في ميدان السياسة، وتبيع الأوهام للمغاربة، وتحقّق أرباحا بأصواتهم، وتتلقّى دعمًا من أموالهم تذهب هدَرًا..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق