هل سقطت تركيا في يد أنْوَر باشا السّفاح؟

هل سقطت تركيا في يد أنْوَر باشا السّفاح؟

2016-07-27 09:22:06

لاقت رواية "الحرب والسلم" قراءً عديدين، وهي رواية كتبها أريستقراطي روسي كان قد تخلى عن أمواله وأراضيه للفقراء وصغار الفلاحين البائسين، ومات فقيرا ذات ليلة في إحدى محطات القطار في روسيا الباردة، مترامية الأطراف.. يحكي "تولْستُوي" في هذه الرواية، قصة هزيمة "نابليون" وجيشه الكبير سنة 1812 في روسيا؛ هذه الهزيمة لم تكن بسيوف الإمبراطورية البرّاقة، ولكن بعصى الفلاح القاسية؛ ذاك الفلاح الذي طالما أهانه الحاكم، والوالي، والمفوَّض في نظام القمع والاستبداد.. وخلال الحرب العالمية الثانية، وقف مراسل حربي أمام قبر "تولستوي"، وكانت جثث بعض الجنود النازيين ملقاة على القبر وبجانبه، فقال المراسل الذي صار في ما بعد مؤرّخا: "لو كان هؤلاء قد قرؤوا رواية هذا الرجل، لما كانوا اليوم في هذه الحال.." وهذا هو موضوع هذه المقالة. كيف ذلك؟
إن الذين يجهلون التاريخ، ولا يتدبّرون أحداثه، ولا يستوعبون معانيه، لابد وأن يقاسوا مآسيه، ويكرّروا أخطاء الماضي، وهو ما أجمع عليه المؤرخون، وفلاسفة التاريخ بدون استثناء.. يجرنا هذا للحديث عن الذين صدّقوا رواية الانقلاب، التي صاغها "أردوغان" في تركيا، وحولها إلى فيلم، لعب فيه هو نفسه دور التمثيل، والإخراج، وانطلت اللعبة على المغفّلين، مما يذكّر بما كان يقوم به "ستالين" لتبرير عمليات التطهير، والتخلص من المنافسين المحتملين، لتوطيد سلطته، وتكريس ديكتاتوريته باسم شعب هو نفسه كان يعاني في صمت من ظلمه.. كان "ستالين" يفتعل دوما محاولات قلب نظام الحكم، وهكذا تخلّص مثلا من قادة بارزين من أمثال: [زينوڤْييف، وبوكارين، وتوخاتشيفسكي، وكيروڤ]، مدعيا أنهم يأتمرون بأوامر "تروتسكي" في المكسيك، تماما كما فعل "أردوغان"، حيث اتهم الداعية "فتح الله غولن" في أمريكا.. الصورة تتكرر دوما، ولها دوما ضحايا وأكباش فداء.. إنه تاريخ لا يعيد نفسه، ولكن يكرر أحداثه..
كان "ستالين" قبل أية محاولة انقلاب، يهيئ قوائمَ بأسماء ضحاياه، وهو ما فعله "أردوغان"، حيث تم القبض على الآلاف في أقل من 48 ساعة، وعزل آلاف القضاة، والأساتذة، والموظفين، ورجال شرطة، فيما اكتشافُ المتواطئين في الانقلابات الحقيقية، يتطلب شهورا، بل سنينا عديدة من البحث والتحري.. قال "ستالين": "اُنظروا إلى [هتلر] كيف يعامل خصومَه؛ إنه رجل ذكي.."؛ ومعلوم أن "أردوغان" كان منذ 6 أشهر، قد أثنى على "هتلر" بعد أيام من تبرئة "نتانياهو" للفوهرر من تهمة إبادة اليهود، وألصقها بالعرب، وقد كنتُ كتبت مقالة في الموضوع غداة اجتماع [المجلس الصهيوني العالمي] بالقدس؛ ومعلوم أنه منذ أيام، أعاد "أردوغان" علاقته مع إسرائيل، ما دام "هتلر" قد أصبح مثلا أعلى للصهاينة ولحزب العدالة والتنمية التركي؛ بل حتى حزب العدالة والتنمية المغربي كان قد استضاف خلال مؤتمره مستشار الرئيس الإسرائيلي؛ و"أردوغان" يريد أن يلقّن الأتراك أي نوع من الطاعة تجب عليهم في المستقبل، وهو تماما ما كان يريده "بنكيران" من المغاربة لولا الملكية التي حمتهم من نيره وطاغوته..
هؤلاء الأتراك، أتباع "أردوغان" الذين يقومون الآن بالتعذيب، والقتل الخفي، سوف يلاقون نفس المصير، وسيختفون تحت التراب بتهم شتى، منها مثلا المسّ بحقوق الإنسان، تماما كما يفعل "ستالين" مع منفذي جرائمه، ولما كان يُسْأل عن السبب كان جوابه: "إنهم يعرفون الكثير".. كان "إيغوف" قد قتل 750 روسيا بأمر من "ستالين"، وفي الأخير حُكم عليه بالإعدام، لأنه قتل مواطنين روسًا، وكذلك سيفعل "أردوغان" بكتائب الانتقام التي تعمل الآن بأوامره، وهو ما جعل المعارضة الجبانة تركع ذليلة أمامه بدعوى حماية الديموقراطية.. قالت امرأة تركية مسنّة قُبَيل "فيلم أردوغان": "عندما جاء أردوغان إلى الحكم، جاء معه الخوف، والإرهاب، والتفجيرات" هكذا.. فالشعب الذي تنتمي إليه هذه المرأة العجوز، لم نَرَهُ إلى حد الآن؛ بل صار خوارجُ "أردوغان" هم الشعب بأسره، ولم نسمع رئيسا غربيا هنّأ "أردوغان" على سلامته أو سانده، بل حذّروه من عمليات القتل، والانتقام، لأنهم يعرفون طبيعتَه "الإخوانية"، وقد بدأ يلوّح بالإعدامات ويعتبرها مطلبا من مطالب الشعب.. فهل سقطت تركيا بيد [أنور باشا السفاح] الدموي؟


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق