شتّان بين الزبدة و"المارغارين" [2-1]

شتّان بين الزبدة و"المارغارين" [2-1]

2016-07-28 09:08:47

عندما ذهب أقليةٌ من المغاربة للتصويت "لبنكيران" منذ خمس سنوات خلت، كانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم أن صناديق الاقتراع سوف تسخِّر لهم "رِضوان" بوّاب الجنة، لكنها للأسف الشديد سلطت عليهم "خازِن النار"؛ ولـمّا وصل "بنكيران" إلى سدة الحكم، قال العوام إنه سوف يكون أحسن ممّن سبقوه؛ فهو على الأقل مؤمن، ويعرف الله، ومن الموحّدين به سبحانه وتعالى وقد أغوى "بنكيران" العديدين، إلا المواطنين الصالحين، حيث لم يكن له عليهم سلطان.. والآن سنعقد مقارنة بين من عرف الله حقا وصدقا، وبين من ادّعى معرفة الله كذبا وبهتانا؛ كما سنعقد مقارنة بين أفعالهما في مواقف، متشابهة عرضت لهما ثم الحكم للقارئ الكريم.
هذا الرجل لم يكن صحابيا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن خليفة راشدا، وإن لُقِّب بذلك لورعه وتقواه، بل كان ملكا أُمويا، جاء بعد "يزيد" الفاسق؛ و"عبد الملك بن مروان" ضارب الكعبة بالمنجنيق؛ وبعد "الوليد" ممزّق القرآن الكريم؛ وبعد "الوليد" الآخر، هدّام الكنائس، ومضطهد الأقليات.. إذن فالرجل من بني أمية، وإن كان نسبه ينتهي إلى جده "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه.. لقد قضيتُ ليالي طوالا، وأنا أبحث في عشرات المراجع، حول هذا "القدّيس" كما تسمّيه مراجع الأعاجم التي تناولت شخصيتَه ومناقبه، إلى جانب المراجع العربية.. هذا المسؤول أصلح الأمة، وأقر العدل، وردّ الحقوق في عامين وخمسة أشهر وبضعة أيام في دولة مترامية الأطراف، تفوق مساحتها مساحة بلادنا وتمتد من مصر غربا إلى شرق حدود خراسان [أي أفغانستان]؛ فيما "بنكيران" قضى على قمة هرم السلطة خمس سنوات، نسف خلالها الحقوق، وكرّس امتيازات الانتهازيين، وتخوّض في مال البلاد، واستغبى العباد، وقرّب أهل حزبه، وأغدق عليهم، فيما "عمر بن عبد العزيز" جرّد بني جلدته الأُمويين من  كل امتياز، واستبعدهم من السلطة، وبذلك صحّح أخطاء من سبقوه، بخلاف "بنكيران" الذي كرّس ظلم السابقين، بل أثراه وزاد عليه..
عاد "ابن عبد العزيز" ذات عَشاء، بعد صلاة العشاء، إلى بيته، فاختبأت منه بنتاه، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له إنهما تعشّيا عدسا وبصلا، وخافتا أن تشتمّ رائحةَ البصل منهما ولم يكن غيرهما في بيته؛ فقال لهما: "أكلُكما البصل، خير من دخول أبيكما النار" لكنّ "بنكيران" وظف ابنته وابنه، وأقرّ قانونا يبيح تشغيل أبناء المغاربة في البيوتات كعبيد، كما سن قانون التوظيف بعُقْدة.. لم يكن أيام "عمر" وسائل اتصال، ولم تكن هناك صحافة لها مراسلون؛ فكان كل من قطع مسافة ليبلغه عن مظلمة، أو سوء تدبير، أو تبذير، إلا واستقبله، وسمع منه، ودفع له 100 دينار كتعويض على مشاق السفر وشكره؛ أما "بنكيران" فصُحُفنا تنقل يوميا مشاهدَ مخزية، ومظالم مؤذية، ومظاهرَ كارثية، ولا هو هنا رئيس الحكومة المشؤومة.. "ابن عبد العزيز" كان يتقاضى القليل، أقل من وزرائه وولاته؛ و"بنكيران" يتقاضى 09 ملايين ونصفا، اِضربْها في 12 شهرا، ثم اضرب الحاصل في 05 سنوات لترى أنه يتقاضى أكثر مما يتقاضاه حتى رؤساء دول: إنه فعلا رجل يعرف الله، ويخدم الله في هذه الأمّة.. كان "عمر" يقول: "إني أثقلكم حملا"، و"بنكيران" عبْر سياسته يقول: "إني أكثركم ربْحًا"؛ لا بارك الله له في ما ربحه..
ذات يوم، بعث إليه أحد الملوك برُطَب وفواكه جافة، حملتْها إليه "دوابُّ البريد" عبر مسافة شاقة وطويلة؛ فلما رأى "عمر" ضخامة تلك المواد، سأل: "مَن حملها؟" فقيل: "دوابّ"؛ فرثّ لحالها، وأمر ببيع تلك السلع، وشراء بثمنها علفًا لتلك الدواب. [لله درّكَ يا عمر؛ يا من خشيتَ الله كأنك تراه!]؛ وهذا المتقاعد في بلادنا يقطع وعلى ظهره أحمال، مسافة 30 أو 40 سنة، فيقوم "بنكيران" بالاقتطاع من تعويضه، ثم يجبره على الشغل سنينا بعد الستين، وهو إنسان مكرَّم لا حيوان؛ فأين هو "بنكيران" مِن "عمر"؟ كان "عمر" يرفض المدح والثناء عليه، فانفضّ عنه الشعراء؛ لكن "بنكيران" يحب أن يمدح بما ليس فيه لذا تراه يقرّب الصحافيين الشعراء، والمدّاحين الفيسبوكيين، فشتّان بين الجبنة والطباشير…


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق