فرق كبير بين الجُبنة والطّباشير [2-2]

فرق كبير بين الجُبنة والطّباشير [2-2]

2016-07-29 11:55:58

أقسم "عمر بن عبد العزيز" رجل الزهد والورع قائلا: "والله، لو لم ينهض الحق والعدل، ويُدْحَض الباطل والظلم إلا بتقطيع أوصالي وأعضائي، لأمضيتُ ذلك وأنا سعيد!".. وأقسم "بنكيران" رجل الترف والسرف قائلا: "والله سأمرّر قانون التقاعد ولو سقطت الحكومة"، يعني ضدّا في الشعب، ونكاية في الأمة، وهو يعلم بأن حكومتَه لن تسقط، ما دام فيها شيوعي، وليبرالي، وحركي .. غضب بعض القوم واحتجّوا، فكتب إليهم "عمر": "أما بعد؛ فقد بلغني أنكم خرجتم غاضبين؛ فهلُمّوا أُناظِركم.. فإن يَكُن الحق معنا، تدخلون فيه؛ وإن يكنِ الحقّ معكم، نراجع أنفسنا وننظر في أمرنا" لكنّ "بنكيران" إذا غضب مواطنون سدّ الأبواب، واختبأ هو وزمرته، وإذا حصلت مسيرات احتجاجية سخّر لها الهراوات، وإذا دُعي للحوار وضع أصبعيْه في أذنيه، وهو ما يحصل الآن، حيث قبيلة بأسرها في إقليم آسفي تحتج على استيراد أزبال من إيطاليا؛ أم أنا مخطئ لا سمح الله!
قال "القدّيس" الورع "ابن عبد العزيز": "هذه الأموال هي ودائع الله؛ ولودائع الله هذه حرمتُها التي تنأى بها عن التَّلف، والسَّرف، والبغْي، والاحتكار؛ وفيها حقوق شائعة وثابتة لكل أفراد الأمة. فلكل أرملة فيها، وكلّ يتيم، لكل مسنّ، وطفل ورضيع، لكل أجير وفقير، وعاجز ومريض، إلا وله نصيب فيها". وهو ما فعله "بنكيران" صاحب "الدعوة إلى الله" التي بها مكر ولها تنكّر، حيث جعل في مال الدولة لكل وزير ووزيرة، وكاتب دولة، ولكل برلماني ومستشار ثروة يتقاضونها، ثم 70 مليونًا "بريم" نهاية الخدمة، مع تقاعد مريح بعد خمس سنوات فقط في وزارات، فيها سيارات وفيها أسِرّة للنوم، وشوكولاطة، وقسْ على ذلك.. قال "عمر": "إنما أنا حجيج المسلمين في مالهم" أما "بنكيران" فهو مانعُ المغاربة من أموالهم، والمغدِق بها على أعدائهم، المبذّرين والفاسدين والانتهازيين.. فمن صوتَ مجدّدا على "بنكيران" فقد خان ووضع مستقبل البلاد بين يدي الشيطان..
عندما وصل "ابن عبد العزيز" إلى سدة الحكم، لاحظ أنّ دخْل الدولة قد قلّ بسبب منْ سَبقوه، وقد أرهق التّرف والسّرف ميزانية الدولة؛ فراح الوزراء يعوِّضون ذلك بجمع المال، بوسائل غير مشروعة، ومراسيمَ غير عادلة؛ فكتبَ إلى ولاته قائلا: "اِحْفظوا أعراضَ الناس، واسْتُروا عوْراتهم، ولا تقْربوا أقواتهم وأرزاقَهم؛ فالمسألة ليست مسألة كثرة، بل هي مسألة وفرة؛ فإما اعتدلتم أو اعْتزلتُم؛ وإن الله بعث محمّدًا هاديا ولم يبعثه جابيا".. فقام بتعديل وزاري، فعزل جميع الوزراء السابقين، الذين عملوا في خدمة المظالم السابقة، ثمّ ولّى مكانهم منِ اصطفاهم للمهمّة الجليلة، أمثال: "أبي بكر بن حزم؛ وعبد الرحمان القشَيْري؛ وعدي بن أَرطأَة الفزاري" وآخرين من طرازهم وخطب فيهم قائلا: "كونوا في العدل والإصلاح بقدر من كانوا قبلكم في الظلم والتبذير والعدوان"، وهو ما فعله كذلك "بنكيران" الداعي إلى الله، حيث ولّى "بنعبد الله؛ ومزوار، وعمارة؛ والحَيْطي؛ ومُبديع، وآخرين من طرازهم؛ فكانوا في الظلم والضحك على الشعب أكثر ممّن سبقوهم في مواقع المسؤولية؛ ولذلك يستحقون عن جدارة رواتبَ باهظة، وتقاعدًا مريحا، وسبعين مليونًا "بريم"، لما سقوْه للبلاد والعباد..
قال "عمر": "إن الإسلام لم يأتِ ليعلّمنا أخلاق الصّوامع، بل ليعلّمنا أخلاقَ المدينة".. لقي رجلاً في الطريق فسأله "عمر": "كيف تركتَ الناس في بلدك؟"؛ فأجاب الرجل: "تركتُ البلاد، الظالم بها مقهور، والمظلوم منصور، والغني موفور، والفقير مَجبور.." فراحت دموع "عمر" تنهمر من مآقيه شكرا لله.. لكن اليوم لو سألتَ مواطنا مغربيا عن أحوال البلاد لأجاب: "الظالم بها منصور، والمظلوم مقهور، والغني دايناصور، والفقير مكسور".. كان "عمر" يقول: "إذا قدرتَ على دواء تشفي به صاحبك دون الكي فلا تكوِينّه أبدا"، لكنّ "بنكيران" يكوي ويحرق ولا يداوي.. ومات "عمر" فبكاه الإمبراطور "ليو الثالث" قائلا: "أهل الخير لا يلبثون مع أهل الشر إلا قليلا"، ولتلك الأسباب ولتكريس شرّه، أحاط "بنكيران" نفسَه بأشخاص، بدل الوطنيين الأخيار.. ثم شتان بين الجبنة والطباشير.. بين الزبدة و"المارغارين".. بين "عمر" و"بنكيران"…


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق