أيّة فلسفة نريد لخلق نُخَبٍ كفأة ومجتمع واعٍ؟

أيّة فلسفة نريد لخلق نُخَبٍ كفأة ومجتمع واعٍ؟

2018-08-16 12:06:59

 

فما هي الفلسفة التي نريد أن يتعلّمَها التلاميذُ في مدارسنا؟ وإنّي لأتساءل عن الفائدة التي سيجنيها تلميذٌ في شعبة علمية، من دراستِه مثلاً لفلسفة [الميتافيزيقا] أو فلسفة [الماورائيات]؟ ماذا ستضيف هذه الفلسفةُ إلى مداركه، وإلى بناء عقله، وصقْل ذهنيته؟ هذه الفلسفةُ قد انتقدها فلاسفةٌ محْدثون، وأوصوا بعدم تدريسها للتلاميذ كفلسفة وهي ليست كذلك؛ بل أسموها [خرافة الميتافيزيقا].. لقد كان على الأقل أن يدْرس تلميذُ الشعبة العلمية أو التكنولوجية [فلسفةَ العلوم] ليدرك العلاقةَ الوطيدةَ بين العلم والفلسفة، فيصبح التلميذُ عالمًا في المختبر العلمي، فيلسوفًا عندما يرْكن إلى خُلده، فيتأمّل أهمّيةَ العلوم في مجتمعه، فيوصي بالنظرة العلمية إلى قضايا مجتمعه، وهموم وطنه؛ ألمْ يكنْ مثلاً [أيْنشتاين] عالمًا، وفيلسوفًا، عندما ينظر إلى قضايا العصر؟ فبعدما كانت الفلسفةُ عند اليونان خادمةً للأخلاق والمعرفة؛ وفي العصر الوسيط خادمة للدّين؛ أصبحت اليوم مرتبطة بسلامة كوكبنا الأرضي، وبقضايا العصر، وبهموم الإنسان.. فمشكلتُنا اليوم، في كل محاولاتنا التنموية، تعود إلى غياب فلسفةٍ عن واقع حياتنا، وعدم قدرتنا على تحليل أزماتنا لغياب فلسفة في حياتنا..

يقول الفيلسوف المغربي [عبد الله العروي]؛ إنّ التخلّفَ الذي نعيشه وكأنّه قدرٌ محتوم، لا يكمن في طبيعة النظام مثلا، ولا في الممارسات السياسية، ولا في غياب الديموقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني، بل يكمن فقط، في ضعف النخب، وهذا بالذّات ما أشار إليه بوضوح خطابُ العرش؛ وإنّي لأتساءل عن كيفية خلْقِ هذه النخب في مجتمعنا إذا غاب في مدارسنا تلقيـنُ فلسفةٍ من شأنها إنتاجُ هذه النخب؟ فهذه الفلسفةُ التي هلّل لها المهلّلون، وأثنى عليها المطبِّلون، ليست فلسفةً من شأنها خلقُ مثْل هذه النخب المستنيرة، وقد رأينا أنّ هذه الفلسفة المعتمدة في منظومتنا التربوية، لا أثر لها في الواقع، في ذهنية المتمدرسين..

يقول الفيلسوفُ الفرنسي [جان بول سارتر] زعيمُ (الوجودية) خلال مقابلة أجرتْها معه مجلّةُ [Le Nouvel Observateur] سنة (1974)، إنّه عندما كان يصحّح أوراقَ الامتحان في فلسفة، كان ينظر إلى تسلسل أفكار التلميذ، وترابُطها المنطقي. ولم يكنْ يصحّح الأفكار، وإنِ اختلفتْ مع فلسفته، وقناعتِه الشخصية؛ لأنه خلال التصحيح، يكون مصحِّحًا، لا ناقدًا لفلسفة التلميذ في موضوع فلسفي، تبرز فيه شخصيتُه، ويعبّر من خلاله عن حرّيته، وذاك هو هدف الفلسفة الأسمى.. فنحن عندنا في المغرب، نسأل التلميذ، فيجيب بما تلقّاه عن مذهب فلسفي حفظه عن ظهر قلبٍ؛ لكنْ لو سألتَه عن الحرية أو الحداثة أو عن التراث مثلا، وطلبتَ منه رأيَه، فلن يعطيكَ جوابًا، لأنّه يفتقر إلى تقنية الإنشاء الفلسفي، وتُعوزهُ اللغة، وتخُونه المصطلحاتُ، لأنه وخلال سنة دراسية، استعرض فقط تاريخَ المذاهب الفلسفية، ودرس نصوصًا جامدة تطير به إلى سمادير الأوهام؛ فهو يحضر إلى حصّة الفلسفة اضطراريًا، ولا عن رضا، وشوْق، وحبّ في الحوار الفلسفي الممتع، والحرّ، بل يعتبر الفلسفةَ زائدةً عن الحاجة، فينْفر منها لرتابة حصصها، وبُعْدها عن واقعه، تناقش الخلودَ الأبدي الميتافيزيقي الخرافي، وتتناسى خبزَه اليومي، وواقعه المزري؛ وهذا دليلٌ على غياب الفلسفة عن واقع حياتنا، فيعتبرها التلميذُ غيْر ذات أهمّية، ويتّهمها العوامُ بالإلحاد، ويسْخرون من دارسِها، ويحكم عليها الظلاميون بأنّها تؤدّي إلى الزّندقة، واللغو، ولهْو الحديث؛ فيملؤون الفراغَ الذهني بظلاميتهم..

يرى الفيلسوفُ النرويجي المعاصر [جوستاين غاردر] في كتابه الذي صدر حديثًا وعنوانه: [عالم صوفي]؛ صفحة (235)؛ أنّ الفلسفة مقاومة للحرب، والإرهاب؛ فكل فلسفة تعبّر عن عصرها؛ وكل فيلسوف يعرض لمشاكل أمّته، ونحن كذلك يجب أن ندرّسَ فلسفةً تعبّر عن واقعنا، وتدرُس همومَنا، وتقترح حلولا عقلانيةً لمشاكلنا، بواسطة النّخَب التي تكوّنها في المدارس.. فالفلسفة في حقيقتها نظرةٌ نقديةٌ، تحليليةٌ، وهي الأصل في كلّ المشاريع النّهضوية التي عرفتْها أممٌ متقدّمة.. فلو كانت لنا فلسفةٌ حقيقيةٌ، لما باعتْ لنا الأحزابُ الأوهام بألفاظ ملتبسة؛ ولـمَا مارستْ علينا الحكوماتُ سياساتِها الاستبدادية؛ ولـمَا كذب علينا البرلمانيون بخُطبهم الخادعة؛ ولما نشأتْ مؤسساتٌ فاشلة؛ لأنّ الفلسفة تخلقُ نخبًا ذكية، وتُنْشِئُ مجتمعاتٍ واعية، وتبني إنسانا يقظا شديد الحذر واليقظة.



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق