المناصب العليا وسياسة العناق والنفاق

المناصب العليا وسياسة العناق والنفاق

2018-09-09 09:12:32

إذا كانت السياسة مفهوما يدرك بالعقل، فإنها في البلدان الديمقراطية يجعلونها تمشي على أرض الواقع وتخضع أيضا، للحواس الخمس، وبالتالي يستطيع المواطن هناك أن يراها في الشارع وفي جميع المرافق الحيوية والمؤسسات العمومية... مجسدة في جملة من المشاريع المرتبطة بالحياة العامة، وكذا تحديد المسؤوليات بما تحمل هذه الكلمة من معنى، انطلاقا من مبدإ الحساب والعقاب دون تمييز ولا تدخلات فوقية أو تحت الطاولة كما يقال. لذلك نجد أي مسؤول في هذه البلدان يدرك جيدا أن المسؤولية تكليف وأن من يسند إليه أي منصب من المناصب العليا عليه أولا، أن تكون له كفاءة "عليا" تناسب الصفة التي سيتحملها، وأفكار جديدة للعمل على تطوير هذا القطاع أو ذاك. كما عليه أيضا أن يكون صاحب مروءة وأخلاق تمنعه من أن يصبح فاسدا مفسدا ومختلسا لأموال خزينة الدولة التي تسمى المال العام المتحصل من عرق وكدح مواطنيه. ثم عليه ثالثا ورابعا وخامسا ... أن يكون متشبعا بثقافة الاستقالة إن أخطأ في الحساب بالروح نفسها التي جاءت به (بلا م يكبر الكبدة عليه) وطبعا تكون استقالة مقرونة باعتذار صريح للناس الذين وضعوا الثقة في صفته وقدرته على تحمل المسؤولية حتى ولو كان الخطأ يدخل في حساب الإخلال في ضبط المواعيد كما وقع مع الوزير مايكل بيتس، الذي تأخر عن حضور مجلس اللوردات خمس دقائق فقط، إلا أنه قرر الاستقالة، ورفض التراجع عنها..... "ناقش مجلس اللوردات خلال الخمس دقائق التي غاب فيها الوزير البريطاني، سؤالا موجها له، وفور حضوره طلب الحديث معتذرا عن تأخره قائلا: "إنني ‏أشعر بالعار لأنني لم أكن موجودًا لأجيب على السؤال، ولهذا أعلن استقالتي الفورية".       

نحن هنا لا نعطي دروسا لأحد، فقط نضع أوجه المقارنة للممارسة السياسية في تلك البلدان، بما يجري عندنا حيث السياسي المنتمي إلى حزب ما الذي يتقدم للانتخابات التشريعية ويحصل على مقعد برلماني لمدة خمس سنوات على أمل أن يوصل صوت المواطنين من أوصلوه إلى هناك والدفاع عن مصالحهم، نراه يدافع عن مصالحه الخاصة والأفدح من ذلك يطالب بصرف تقاعده بعد خمس سنوات من "العمل التطوعي"؟ إلى يوم القيامة براتب يفوق ثلاثة أرباع ما يحصل عليه المتقاعدون المغاربة من قضوا ثلاثة أرباع مما مضى من حياتهم في خدمة الوطن.. بالإضافة إلى موضوعنا في هذا المقام "المناصب العليا" وسياسة (ها جطي وها جطك) وهي العملة الوحيدة التي أصبحت تصرف بين الأحزاب السياسية ببلادنا بدون خجل ولا قطرة دم على محياهم. سوى سياسة النفاق والعناق. والكثير من الارتزاق.



صاحب المقال : ورياش عبد الله
إظافة تعليق