عن "أوبّيرَالية" قمّة "نواكشوط" أتحدّث

عن "أوبّيرَالية" قمّة "نواكشوط" أتحدّث

2016-08-09 11:03:36

عقدت جامعة  الدول العربية، مؤتمر قمّتها السابع والعشرين في "نواكشوط" بموريتانيا يوم الإثنين 25 يوليوز 2016، وقد حضرتْه دولا عديدة،لكن جاءت بفكرة القبيلة والعشيرة، وهكذا شاهدنا: "بني المصْطلَق، وأوطاس، والأوْس، والخزْرج" وقس على ذلك، وحضر "الموسمَ" صحافيون من أمثال "جرير والفرزْدَق"، لكن غاب "الحُطيْئَة والمتنبِّي"، وكان على جدول الأعمال دراسة الواقع الذي فرضه "الخوارج" في جزيرة العرب، ولقد كان مؤتمر قمّتهم قمّةً في الرداءة، تمشيًا مع أصالة العُربان، واحتراما لتاريخ وإخفاقات جامعة "النحاس باشا"، وصدر بيان تكفّلت بصياغته الصحافة الموريتانية، حيث كتبت بالأحرف الأولى ما يلي: "نحن مع كل الدول العربية، إلا لبنان" وهل هناك ما هو أروع من هذا التعبير، وأبلغ من هذه البلاغة! فما هو السّبب؟
السبب هو أن الوفد اللبناني طار من "نواكشوط" ليقضي ليلته في المغرب، لأنه وحسب ما قاله الوفد لا توجد فنادق هناك تتوفّر فيها الشروط الصحية، بل كلّها مليئة بالحشرات والجرذان؛ هكذا عبّر وفدُ لبنان، وهذا يعتبر أهمّ بيان بعد قمة العُربان، وهو يدلّل على نجاح القمة، وقد كان المغرب محقّا عندما اعتذر عن استضافة هذا المؤتمر، فما استضاف بلدُنا مؤتمرا فاشلا أبدا، ومع ذلك قامت قناة "الجزيرة" بذكر المؤتمرات التاريخية الناجحة والمشهورة؛ فمن بين 27 قمة، ذكرتْ سبعًا، ولم تشر إلى أية قمة عُقِدت في المغرب، حيث ذكرتْ مثلا قمة "الخرطوم" سنة 1967، التي عُرفت باللاءات الثلاث؛ أو قُلْ "الطلاق الثلاث" مع الحكمة والتبصّر وبُعْد النظر: [لا صُلح؛ لا تفاوض؛ لا اعْتراف بإسرائيل].. قال وزير خارجية إسرائيل الأسبق "أبا إيبَان": "لقد كانت تلك فترة الكرم الإسرائيلي"؛ لكن ضاعت الفرصة، وصاروا اليوم يدْعون "إسرائيل" إلى التفاوض دون جدوى، بعدما أدركتْ ضعفَ العربان، وتمزّقهم، وعودتهم إلى ما كانوا عليه أيام الجاهلية الأولى..
فرأيتُ قناة "الجزيرة" تذكر كقمّة ناجحة كقمّة "الدوحة" سنة 2013، حيث اعتُرف بجبهة "النّصْرة" الإرهابية كممثّل شرعي للمعارضة السورية، ولم تذكر قمّة الرباط سنة 1974 حيث اعتُرف لأول مرة وبالإجماع بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.. هل هذا معقول؟ لقد صدق "نيزار قبّاني" يوم قال: "من يسمع كلام العرب، ويتكحّل على مرآة شاشتهم، لابد أن يصاب بعلّة في قلبه".. ولهذا، من يسمع كلام "الجزيرة" ويشاهد شاشتها، ويتلذّذ بأشعار شعرائها الكذبة لابد وأن يصاب بالانْضِباع، وقد ضبّعت الكثيرين من ذوي العقول الدنيا، وقليلون هم الذين يعْرفون كيف ومتى ولماذا أُنشِئَت أصلا هذه القناةُ الغوبَلْزية؛ وإذا كانت محطات "غوبلز" الإعلامية وراء تأجيج نيران الحرب العالمية الثانية، فإنّ قناة "الجزيرة الإخوانية" كانت من وراء تأجيج نيران الفتنة، وتمزيق الشعوب العربية، خدمةً للأيادي السرية التي توجّهها وتملي لها، فتراها تحشر أنفها في كل صغيرة وكبيرة، وصار رهبانها الذين يسهلون كلاميا يوميا وكأنهم فلاسفة، ومفكّرون، وحكام، وقضاة، فيما هم لا شيء؛ بل هم عبيد يرقصون، ويغنّون كما يريد لهم أسيادهم أن يفعلوا بأجر زهيد وذاك ثمن العبيد.
وبالعودة إلى قمة "نواكشوط"، فأهم ما كان فيها على الإطلاق، هو الرسالة الملكية السامية، التي شخّص فيها جلالةُ الملك مرضَ العربان، من مواقفَ انفرادية تذكّر بمواقف شيوخ القبائل المتعنّتين، واستيراد الحلول الجاهزة المستعارة، وكأنهم أشبه بمن يتناول دواءً وهو يجهل تركيبته وطريقة استعماله فيزداد مرضا؛ ثم ذكر جلالته النزعات الانفصالية التي تذكّر بما قام به أهلُ الردة، حيث انفصلوا عن الأمّة، وأثاروا البلبلة والفتنة، ولم يفتْ جلالتُه أن يذكِر بالدفاع عن الطائفة والمذهب والتضحية بروح المواطنة، تماما كما فعل "الخوارج" بمذهبهم، وطائفتهم، وسوء تأويلهم لكتاب الله عزّ وجلّ، فكانت الكارثة الكبرى، التي ما زلنا نجترّ ذيولها إلى يومنا هذا بأشكال شتى.. وبكلمة واحدة أراد جلالتُه أن يقول بأسلوب فيه حكمة ولباقة إن مرض العَربي هو العربي نفسه، وعدوّ العَربي هو العربي عدوُّ نفسِه، هذا هو الواقع.


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق