عبد الصمد بلكبير ...الوجه الأسود لابن تيمية

عبد الصمد بلكبير ...الوجه الأسود لابن تيمية

2016-08-11 11:43:45

عبد الصمد بلكبير، المنتسب للقومية العربية، يعيد نشر كتاب محمد يوسف موسى حول ابن تيمية. إعادة نشر. ما الغرض منها؟ لأي هدف؟
في الغلاف الثاني للكتاب دبج بلكبير كلمة حول من يكره ابن تيمية. وقال إن من يكرهه خليط غير متجانس. نسي أن يقول أن من التبسوا فيه خليط غير متجانس أيضا. المفكر عابد الجابري وطه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي وكثير ممن هم محسوبون على خارطة المشاريع الفكرية في العالم العربي. جمع حوله الإسلامي والعلماني واتحدوا جميعا في ابتلاع اللبس.
هل يكون بلكبير أيضا ممن التبس عليهم الأمر؟ أم أنه يبحث عن معابر يمر بها هنا وهناك؟ في اللبس نفهم مما كتب عبد الصمد أن ابن تيمية رائد قومي لأن من أعداء ابن تيمية، حسب الناشر، أعداء الولايات المتحدة العربية.
لا يرى في كل هذا الحجم من التكفير الذي اقترفه ابن تيمية في حق خصومه سوى هنات يقع فيها أي عالم.
قد يكون ابن تيمية جسرا للعبور نحو أشياء لم يحلم بها هو نفسه. هنا نتحدث عن القصد. قبل أن يدخل حزب العدالة والتنمية الانتخابات التشريعية لأول مرة كتب العثماني كتابا سماه "فقه المشاركة السياسية لدى شيخ الإسلام ابن تيمية"، وينشر بلكبير اليوم كتابا عن ابن تيمية بالتوازي مع كيل المديح لحزب العدالة والتنمية والطعن في خصومه واعتبارهم مجرد أبواق لأسيادهم. يبدو أن عبد الصمد اقترب من البوق فأزعجه الصوت الجوهري. خصوصا وأن بلكبير لا يعترف إلا بنفسه حيث سفه العروي والجابري رغم أنه هو نفسه لا يوجد على خارطة الفكر العربي.
لا أرى في نشر هذا الكتاب مجرد عملية لتعميم الفكر وإلا هناك آلاف الكتابات التنويرية التي نحن في حاجة إليها اليوم. إنه عملية مدروسة جدا ولها خلفيات يسعى من ورائها صاحبها المرور في اتجاه آخر.
ولفهم بلكبير جيدا فهو يزعم أنه قومي ومع قوى الممانعة. لكن أسبوعا بعد أن قام امحمد الهيلالي، القيادي في التوحيد والإصلاح، بسب أحد رموز المقاومة، وعلى رؤوس الأشهاد، كان بلكبير يجالسه في ندوة بالرباط. وهو هنا يلتقي مع خالد السفياني، الأمين العام السابق للمؤتمر القومي الذي مرت ولايته في صمت، الذي قال إن ما يربطه بالجماعات الإسلامية من سوريا. قال إنهم يلتقون حول فلسطين.
لا شك أن الكتاب عربون موجه للحزب الإسلامي. قال في تصريح لموقع العدالة والتنمية "فئات عريضة من الشعب المغربي لازالت في حاجة إلى خمس سنوات إضافية من تجربة العدالة والتنمية".
وقال القومي "رغم كل ما يشاع من "أكاذيب وترهات" عن تجربة العدالة والتنمية، إلا أن الطبقة الشعبية المغربية، وجدت فيها بديلا حقيقيا، يتمتع بقدر من المعقول والمصداقية والمسؤولية، متوقعا أن تنزل هاته الطبقة بثقلها الكبير خلال استحقاقات السابع من أكتوبر المقبل لتمنح العدالة والتنمية مركز الصدارة، حيث التوجه العام يسير في هذا الاتجاه". بأي معيار ومقياس تحكم على هذه التجربة بأنها معقولة ومسؤولة؟
لكل هذه الأمور نرى أن بلكبير أعاد نشر الكتاب كعربون مقدم للعدالة والتنمية وكثير يفعلون الشيء نفسه بطرق أخرى. لكن نعرف أن بلكبير يتحرك في المشرق أيضا فلمن يوجه رسالته هناك؟
عودا إلى الكلمات التي نشر على ظهر الغلاف. أقول كان حريا به أن يكتب مقدمة يشرح فيها خلفيات إعادة النشر ويقدم ابن تيمية للقارئ ويقدم له أفكاره الكبرى حتى نستطيع مناقشته.
ابن تيمية الذي يرى فيه بلكبير مصلحا دينيا ورائدا قوميا ما هو إلا موسوعة تكفيرية. يعتبر الأب الروحي لحركات الإرهاب الجهادي.
لكن من تلبيس بلكبير هو أن يجمع عددا من الذين يعادون ابن تيمية ليس من بينهم عالما. وحتى لا يبقى للحديث لهذا المتعالم الذي سفه الجابري والعروي نورد اقوال مجموعة من العلماء الفطاحلة في حق ابن تيمية:
ابن تيمية كان كثير السب لابن عربي والعفيف التلمساني والإمام الغزالي والفخر الرازي، وكان يصفهم بأنهم فراخ الهند واليونان وإذا ذكر عنده ابن المطهر الحلي قال إنه ابن المنجس.
وعندما يتعلق الأمر بطائفة غلت في يزيد بن معاوية وأضافت للبشر صفات إلاهية وجد لهم ابن تيمية كامل الأعذار بينما كفر كل الطوائف.
بلكبير لا يرى في خصوم ابن تيمية إلا علمانيين وغير مجددين، ولا نعرف هل قرأ رسالة الذهبي لابن تيمية، ونقول شمس الدين الذهبي. وهذه رسالته:
الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ علي إيماني، واحزناه على قلة حزني، ووا أسفاه على السنة وأهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى كنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال وأخ مونس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتبا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينيك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول (ص): " لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " بل أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمد (ص) وهو جهاد، بل والله عرفوا خيرا كثيرا مما إذا عمل به فقد فاز، وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل! بالله عليك كف عنا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيك (ص) المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: " إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان " وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب، والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟ لنرد عليها بعقولنا، يا رجل! قد بلعت " سموم " الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم وتكمن والله في البدن، واشوقاه إلى مجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف    الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما". انتهى كلام الذهبي بمؤاخاة ابن تيمية الحجاج بلسان ابن تيمية بينما يريد أن يجعل منه بلكبير مناهضا للاستبداد.
وإذا كان الناشر المتعالم لا يعرف من رد على ابن تيمية من كبار العلماء فإن لائحتهم طويلة جدا وفهرستها قد تكون رسالة وحدها. تقي الدين السبكي، قاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبداللّه الأخنائي ، ابن المعلم القرشي، أبو بكر الحصني الدمشقي، تاج الدين اللخمي المالكي، مهدي بن صالح الموسوي القزويني الكاظمي، محمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي كمال الدين المعروف بابن الزملكاني، وكان علماء الشام أصدروا فتوى صريحة في فساد ابن تيمية يبدو أن عبد الصمد لا علم له بها.
وأورد محمد زاهد الكوثري نص الرسالة في كتابه السيف الصقيل ومما جاء فيها "...هذا المفتي ـ يعني ابن تيمية ـ ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به"، وحتى لا يقول لنا عبد الصمد من هم هؤلاء الجماعة نقول إن فيهم ابن جماعة الشافعي، ووافق على الفتيا قضاة المذاهب الأربعة بمصر حينها.
لم يجد ابن تيمية أرضا خصبة في المغرب الأقصى، حتى من كان يقدره من العلماء لم يدرسوه برؤية نقدية وإنما اكتفوا بالاطلاع على بعض رسائله المستخرجة استخراجا من كتبه والمنبتة عن سياقها.
لقد تم تهريبه تهريبا إلى المغرب. ودخل تحت اسم مستعار "أحمد الحراني" نسبة إلى قريته حران كما دخل ابن عبد الوهاب تحت اسم الدرعي نسبة إلى الدرعية وهناك من التبس عليه الأمر واعتبره من درعة بتافيلالت. ودارت الأيام فأصبح يدافع عنه مفكرون علمانيون وأصبح عند البعض رائدا للمنطق وهو حمل معولا ليهدم الصناعة من أصلها.
ما قام به بلكبير وإن كان وظيفيا هو محاولة لتبييض الوجه الأسود لابن تيمية في وقت يزداد النقاش حول أفكاره التكفيرية المنتجة للتطرف.


صاحب المقال : عدار ادريس
إظافة تعليق