دوْر المجرمين في تاريخ الفتن والاضطرابات

دوْر المجرمين في تاريخ الفتن والاضطرابات

2016-08-12 11:53:45

يجدر بي أولا أن أحدد إطار هذه المقالة تجنبًا لكل تأويل مغرض، وتفاديا لكل التباس.. في هذه العجالة، سأتحدث عن المجرمين والقتلة وقطّاع الطرق، وبالجملة أعني الوحوش الكاسرة التي تختبئ وراء صورة الإنسان، وهي ليست بإنسان، إذ الأفعال هي التي تحدد الماهية وتبيّن النوع.. فأنا لا أقصد "المخطئين" المتواجدين في السجون هنا وهناك، إذ [الخطأ هو فعلٌ يصدر بلا قصْد إليه عند مباشرة أمرٍ مقصود سواه؛ وهو ضد العَمد، وفي هذا المعنى عذْر صالح لسقوط العقوبة عن المخطئ؛ لأن العقوبة لا تجوز إلا على الجناية، وهي بالقصد] اُنظر: "المعجم الفلسفي"؛ الجزء الأول؛ حرف الخاء.. والسجون مليئة بسجناء من هذا النوع مما يبرّر العفو عنهم بين الفيْنة والأخرى، وهؤلاء لهم قابلية للإصلاح قبل الصفح.. بل أنا أتحدث هنا عن المجرمين، والقتلة، والذين تجذَّر فيهم الإجرام، ومات فيهم الإنسان، وهم الذين يعاقبهم القانون باسم المجتمع كله لا باسم الفرد الذي تضرّر بفعل إجرامهم، أو هو الجُرْم الذي يعاقَب عليه المجرمُ عقابا شائنا ومؤلما، لا عقابا تأديبيا.. وهؤلاء لعنهم الله، والملائكةُ والناس أجمعين، ولهم في الآخرة عذاب مهين..
يقول الكاتب الروسي "دوسْتويفْسكي" في رواية "الجريمة والعقاب": "أنتم خنازير! قد خُلقْتم على صورة الوحش، ودُمِغْتم بخاتمه!..".. وإن شئنا أمثلةً على ذلك، تذكّرْنا مثلا مغتصب 11 طفلا ثم قتلهم ودفنهم؛ أو مغتصب الطفلة ثم قتْلها وإلقاءها في بركة ماء؛ أو قاتل امرأة منذ أيام مع تقطيع جثتها وإرسال قطعة منها إلى مراكش بواسطة القطار، وإبقاء الجزء الآخر منها في سلا؛ أو الزوج الذي ذبح زوجته بالمحمدية ذبْح الشاة على طريقة "داعش" و"النصرة"، أو المجرم الذي بقر بطن الشرطي داخل المحكمة، أو الآخر الذي دهس بسيارته عُنْوة شرطيا قبيْل الإفطار في رمضان السنة الفارطة، ماسّا بذلك هيْبة الدولة، ومُهينا مجتمعا بأسره، ومستخفّا بقوانين الأمة وقيمها ودينها الحنيف، ومستهترًا بالحياة برمتها.. هؤلاء ما أوصى حتى الرحمانُ الرحيم برحمتهم، ولا يجوز أن يأكلوا في السجن من طعام أمة قتلوها ومثّلوا بجثث أبنائها، لأن حكم الله فيهم صريح، ولا مجال فيه لاستئناف.. لكن مَن هم الذين يتكفّلون بالدفاع عنهم، وكيف عوملوا في القدم، وما دورهم عبر التاريخ؟
هؤلاء الوحوش الكاسرة، ذوو النفوس المظلمة، وأصحاب غريزة الموت، تتكفّل بالدفاع عنهم المنظمات الهدّامة، لأنها تعتبرهم "جنود سياسة المستقبل" في تعاليمها، لأنها تحتاجهم وقت القتل، والاضطرابات، أو ما يسمى "الثورات" عبر التاريخ؛ لذلك تعمل هذه المنظمات على إلغاء عقوبة الإعدام، وتعتبرها عقوبةً لا إنسانية في حق من تجرّدوا كلية من الإنسانية، وباعوا أنفسهم للشيطان، وصاروا أعداء الأمة والوطن.. في سنة 1789 خلال ما سُمّي "الثورة الفرنسية" التي لم تكن "ثورةً" بل فوضى، لأن بعدها تكرّست الديكتاتورية على يد "نابليون" الذي قال: "أنا الدولة"، والذي كان سببا في موت الآلاف، وفي تمزيق الشعوب، وتهجير السكان وسرقة أملاكهم.. في بداية هذه الفوضى، ولكي تنجح، تم فتْح السجون، وكان أكبرها سجن "لا باسْتيل" الذي كان فيه أعتى القتلة، والمجرمين، وقُطّاع الطرق؛ وبهم نجحت الفوضى وقُطعت الرؤوس..
في سنة 1917، خلال ما سمّي "الثورة الروسية" تمّ فتْح أبواب السجون فخرجت منه الوحوش وعاثت فسادا وسقط القيصر "نيكولا الثاني"، ولما نجحت الفوضى، جعل منهم "لنين" شرطةً تثير الرعب، وكان اسمها "تشيكَا" وبرّر "لنين" إجرامَها بقوله: "الرعب أداة للتطهير الاجتماعي".. وفي سنة 1918، عندما أراد الجنيرال "لودَنْدورف" إثارة الفوضى في ألمانيا، فتحَ السجون، وانطلقت الكلاب المسعورة تعيث فسادا، وتفشي رعبا في الشوارع بعد هزيمة ألمانيا في الحرب، ففرّ الإمبراطور "ويلهيلم الثاني"، وطلب اللجوء في "هولاندا".. وفي سنة 1812 حين اجتاح "نابليون" روسيا، قام "روتوبشين" عُمدة "موسكو" بفتح أبواب السجون، فأحرق السجناءُ المدينةَ بأسرها، ولم يستطع "نابليون" فعْل أي شيء أمامهم، إلى درجة أنهم لم يخافوا من الجيش، بالرغم من أنه قتل منهم الكثير دون جدوى.. وفي مصر منذ سنوات، قام "الإخوان" بقيادة "مرسي" بفتح أبواب السجون لإنجاح الفوضى، وكذلك كان؛ واضطُرّ "مبارك" للاستقالة وتمّ القتْل، والنهب بواسطة المجرمين الخارجين من السجون.. وفي بلد في أمريكا الجنوبية كلّما أرادت "مافيا" أن ينجح مرشحُها في انتخابات إقليم، إلاّ وأوعزت للسجناء بإحراق الأفرشة، وإثارة الفوضى، فيستغلّ المرشحُ المافيوزي تلك الأحداث، ويقدّم نفسه كرجل مناسب في مكان مناسب لإحلال السلم، ومحاربة الظلم الاجتماعي في كافة الإقليم.. لكنّ "ستالين" كان قد فطن لخطورة المجرمين، فكان يستعملهم في تنظيف حقول الألغام، يمشون فيها قبل وصول الجيش؛ وبذلك يمنحهم فرصة التصالح مع المجتمع مع الموت بشرف في سبيل الوطن.. لهذا فهؤلاء المجرمون يمثّلون خطرا على الأمة، لأنهم أشرار ولا ضمير لهم، لذا وجب مقاتلةُ المجرمين..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق