لماذا وردت لفظة "فساد" سبع مرّات في خطاب العرش؟

لماذا وردت لفظة "فساد" سبع مرّات في خطاب العرش؟

2016-08-17 11:41:57

لقد كان خطاب العرش واضحا وفاضحا لكل الأمراض والأعراض، التي تعتمل داخل مجتمعنا، وتشتمل على كل ما يعوق مسيرة التقدم والتنمية، ويشوب مسلسل العدالة والديموقراطية في هذا البلد الأصيل.. ولقد عوّدنا جلالتُه الصدقَ والصراحة في كل خطبه، حيث يعتمد عبارات لها مُقابل في الواقع، ولها مدلول، بعيدا عن أشباه الألفاظ، التي تخدع بجرْسها لصَرف المستمع عن خوائها من أي مضمون، وهو ما يعتمده عادةً المخادعون الذين يعْوزهم التحليل، ويخْشون بروزَ الدليل، فيستمدّون قيمة خطبهم من غموض عباراتهم أكثر مما يستمدونه من وضوح كلامهم، ورجحان أفكارهم، وهو ما يسمّى بالكلام الفارغ الذي ليس فيه تأييد ولا تفنيد، إذ تكتشف اختلافا واضحا بين الصورة التي يرسمها هذا الكلام وبين الحالة الواقعة فعلا تحت الأنوف، وذاك هو أسلوب الكذَبة والمخادعين وما أكثرهم في عالم السياسة، و"گورنة" الانتخابات، وبورصة الأحزاب، وعبدة المناصب، وصيّادي المكاسب، وهم يتدافعون ويهرولون، وهو ما أسماه جلالة الملك بعبارة ساخرة "القيامة" والتي عبر بها عن هذه المشاهد المضحكة، تماما كما وظّف عبارة "السُّعار" للتدليل على حال خصوم وحدتنا الترابية..
في هذا [discours choc] كما يقال عن الخطب الصريحة الصادمة، وردت عبارة "الفساد" سبع مرّات، وعبارة "المفسدون" مرة واحدة، مما يبرز خطورة الفساد على سلامة الأمم، وعلى أحوالها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، إذ المجتمع مثله مثل الجسد سواء بسواء؛ والجسد المريض تنتفع منه فقط الميكروبات، والطفيليات، وعندما ينهار تنهال عليه الديدان تنهشه من الداخل والخارج قبل تحلّله النهائي، ولعلّ هذا ما عناه "الجُرْجاني" في [تعريفاته] حين رأى أن "الفساد" هو زوالُ الصورة عن المادة بعد أن كانت حاصلة، وأعطى أمثلة بالنار تصبح رمادا، وبالجسم يستحيل ترابا بعد الحياة، وكذلك قُلْ في ما يختصّ بالأمّة؛ اُنظر "المعجم الفلسفي" المجلد: 02؛ ص: 146؛ حرف: الفاء.. وهذا "الاتحاد السوڤياتي" عجزتْ عن تدميره النازية خلال الحرب العالمية الثانية، كما عجزتْ عن نسفه الحربُ الباردة، لكن دمّره الفساد من الداخل، وأضعفه أصحابُ الامتيازات، والمصالح الشخصية التي مارسها لصوص من وراء ستار الشيوعية، وشعار خدمة الوطن، وهو ما يفعله الآن الفاسدون في بلادنا، وقد صدق جلالة الملك حين قال: "لا تركبوا على الوطن"، ولعلّ هذا ما عناه الفيلسوف الشهير "نيتشه" حين قال: "الوطن كذْبة كبيرة"، وما أكثر الكذَبة في بلادنا..
والفساد له عدة مظاهر، فقد يكون فسادا سياسيا، أو ماديا، أو اجتماعيا أو بيئيا، أو فكريا، أو عقَائديا؛ وهذه المظاهر كلها موجودة في بلادنا ولا تخطئها حتى العين المجرّدة: فهناك فساد سياسي يمارسه سياسيون فاسدون، ومعظمهم دخل البرلمان بالغشّ.. وهناك فساد مادي تمثّل في تبذير الملايير في محاربة الفساد، فازداد الفساد وانتشى وبيننا مشى، وصدق السيدُ المسيح: "أزيلُوا الفاسدين من بينكم"؛ وهناك فساد اجتماعي، حيث تُفسَد نفسيةُ المواطن؛ وتملأ ضنَكا وحنَقا وتذمّرا، حيث تُضرب حقوقُه، ويُزاد في امتيازات الأكلة الفاسدين، مما يهدد الأمنَ والاستقرار في البلاد.. وهناك فساد فكري، حيث تعتبر المناكرُ حريةً شخصية، وتُطبَع في الأوساط، وتوظّف فيها لغةٌ خادعة، وكلمات مضلّلة، ومصطلحات مستحدثة عنْوة للتدليس على الناس.. وهناك فساد عقائدي يُلْبسونه ثوبَ الدّين، ليتّخذ طابع الشرعية فيما الدين منه براء، ومن الناس من يشتري بآيات الله ثمنا قليلا للوصول إلى المناصب، وتحقيق المكاسب؛ ومنهم من يجعل الفتنة وعْيا دينيا، ومن الحث على القتل "جهادا" وهناك فساد بيئي كاستيراد النفايات السامة وقسْ على ذلك مما يطول ذكْره ويصعب حصْره.. وفي الخطاب وردت كذلك عبارة "المؤامرات" مرّتين؛ مرة اختصّت بالداخل حيث خونةٌ يخدمون أجنْدةً خارجية تحت شعارات مضلّلة، وهذا فساد الروح، والذهن، والقلب لغياب الوطنية الحقّة؛ كما وردت العبارة وقد لـمّحت للمؤامرات الأجنبية، وهو فساد المنطق، وتراجُع الحق، وتفاقُم الحقْد، وهذا فساد متعمَّد في الحكم، والتقدير، وظلم جائر في الرؤى، وفي الاعتراف لأصحاب الحق بحقهم؛ والظلم هو رأس الفساد، وصدق "ابن خلدون": "الظلم مُنْذر بخراب العمران"، وهو الظلم الذي عرقل بناء المغرب العربي الكبير وللحديث بقية..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق