ديموقراطيتنا بين زمن الأمّيين وعصر الظلاميين

ديموقراطيتنا بين زمن الأمّيين وعصر الظلاميين

2016-09-18 11:30:22

الديموقراطية هي نتاج بشري ناقص بطبيعته، لهذا فهي تحتاج دوما أبدا إلى تطوير، وتشذيب، وتجديد، ومراقبة؛ وقد بدأت بداية متعثرة ومضطربة، ولم تَخْلُ في بداياتها الأولى من مظالمَ ومآسيَ وديكتاتورية جماعية تخفّت وراء مصطلح الديموقراطية البرّاق.. كانتِ الديموقراطية كنظام سياسي، هي أول من أعدم الفيلسوف اليوناني "سقراط" الذي كان يسَفّه، ويفضح السفسطائيين المضلّلين بالألفاظ الخادعة، ولكنهم نجوا، ولم يمسَسْهم سوء، بينما اتهمت الديموقراطية فيلسوفا حكيما، كان يقوم بتنوير الشعب، وتثقيفه، حتى لا ينخدع بسَفسطة المضلّلين بأشباه الألفاظ، وبلغة تعتمد المنطق الزائف والأدوار الفاسدة.. إنها والله لمفارقةٌ عجيبة أن يكون أول شهيد للفلسفة في عصر الديموقراطية.. وإنها والله لديموقراطيةٌ هذه التي أعطت للأغنياء حق الترشح، ومنحت الفقراءَ حرية التصويت.. لهذه الأسباب، ينبغي مراقبتها، وتجديدها وإلا أنجبت الغرائب، وأفرزت العجائب.. وإلى يومنا هذا ما زلنا نلحظ غرائب تبرز باسم الديموقراطية..
وإذا شئنا تشبيها، لقلنا إن الديموقراطية هي بمثابة قمر اصطناعي في فضاء السياسة، وإذا لم يوضع هذا القمرُ في مداره الصحيح، فلن يؤدّي عملَه، وقد يعطي إشارات خاطئة، قد توقعُنا في أخطاء كارثية؛ وقمرُ ديموقراطيتنا منذ البداية لم يوضع في مداره الصحيح؛ كيف ذلك؟ لقد سبقْنا إسبانيا في التجربة الديموقراطية بسنين عديدة، فهل يمكن أن نقول إن ديموقراطيتنا متقدّمة على ديموقراطية الإسبان؟ الجواب: كلا! ولماذا؟ ديموقراطية إسبانيا سبقَها تهيئة، وإعداد، وتخطيط، وفترة سُميت (بالانتقالية) أضفْ إلى ذلك قلّة الأحزاب، وتواجُد سياسيين أكفاء، وشعبا أراد أن يظهِر للشعوب الأوروبية أنه لا يقلّ عنها وعيًا سياسيا، أو تنظيما، أو تشبّعا واقتناعا بالديموقراطية الحقة [والنتائج أمامنا] مما سرّع بدخول البلاد إلى حظيرة الاتحاد الأوربي من بابه الواسع..
أما ديموقراطيتنا، فمجرد أن دقّ جرسُها، هرول كلّ من هب ودب إلى مسرحها، فرأيت الأمّيَ صاحب الشكارة يترشح، ويشتري قطيع الأمّيين المصوتين الذين يجهلون حقيقة وقيمة وأمانة أصواتهم.. ورأيتَ مهرّب الحشيش يدفع أموالا للأحزاب لنيل التزكية.. ورأيتَ الانتهازيَ يتقمّص ألوان حزبٍ، أو الحزب يلتمس منه تقَمّص ألوانِه في آخر لحظة.. ثم رأيتَ جهلاءَ تُجالسُهم في المقهى، وينطقون لفظةَ الديموقراطية [الموقْراطية]، لأنهم لا يستطيعون حتى نُطقها، فما بالك بفهمها واستيعابها؛ وفي المساء تشاهدهم على الشاشة وهم يرفعون أصابعهم عند التصويت، وخلال الجلسات يغُطّون في سبات عميق؛ وهكذا صوّت الأمّي على الأمّي، والجاهلُ على شبيهه الجاهل، وآخرون صوّتوا بالقرابة، أو الصداقة، أو المجاورة، ومن ثمّة صارت الأمية تعرف العناية، ويشجَّع الجهلُ لدورهما في ديموقراطيتنا..
ثم ماذا؟ انشطرت أحزاب، وخلقت أحزابًا أخرى، بسبب الصراع على الزعامة، وحصل انفجار ديموغرافي، صعُبَ التحكم فيه، فازدادت وتيرته، وكثرت مواليده، ومن الأحزاب من هي نتيجة نكاح رهْط، أو نكاح سِفَاح، ومع ذلك اكتسبت الشرعية، وهي بدورها خلقتْ سياسيين غيرَ متخلّقين، وغير نافعين، لانعدام التربية والتكوين داخل أوكار هذه الأحزاب.. وخلال الحملات الانتخابية، يبرز السماسرة حتى صارت مهنةً تدرُّ أرباحا، وعلى الخشبات برزت الشيخات والراقصات، وكأن الأمر يتعلق بعريس وليس بمرشح لمهام مقدّسة، وعندما يشكّل البرلمانُ تخاله مهرجان فولكلور، حيث تتنوّع الكائنات ويغْتني الديكور.. انتهى عصر أصحاب [الموقْراطية]، وحَلّ زمنُ الظلامية.. انتهى عصر الشيخات يتغنّيْن بالعريس المرشَّح، وبدأ عصر الفقيه يمْدح المرشح الورع وحوْزة (الدعوة إلى الله).. لقد ارتكبنا خطأً فادحا في حق الديموقراطية، بسماحنا للمتمسّحين بالدّين دخولَ معبد الديموقراطية التي يعتبرونها كُفرا ونتاجَ وثنيةٍ. لكنْ من أجل السُّحْت، والمكانة، والحصانة اعتمدوا "التّقية"، مع العلم أنه لا علاقة للدين بالسياسة، لأن إدخال الدين في مجال السياسة هو إساءةٌ للدين؛ لكن تبيَّن أن الدّين وُظّف كأفيون من طرف المتاجرين بالدين، والضاحكين على المغفّلين.. قال فيهم الشاعر أبياتا تصفهم وصفا دقيقا:
قومٌ هُمُو شَرُّ خلْق الله قاطبةً * وأخْبثُ الناس في الدنيا والدين
همْ في الظواهر زهّادٌ أُولو وَرعٍ * وفي البواطن إخوانُ الشياطين
هكذا بدأت ديموقراطيتنا؛ وهكذا صارت بائسة يسْكب عليها الانتهازيون زناهم إلى درجة أنه بعد استعمال المال الحرام، اعتمد الظلاميون الدين للظفر بها.. هذه هي ديموقراطيتنا، وهذا ما صنعته أيدينا، وما زالت لعبة الخِزي والعار مستمرّةً..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق