هل يجوز أن يصبح في الإسلام "ماركاتٌ" مسجَّلة؟ (2-1)

هل يجوز أن يصبح في الإسلام "ماركاتٌ" مسجَّلة؟ (2-1)

2016-09-20 12:11:42

سوف نتطرق اليوم، لأهمّ ما جاء في مقابلة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية مع وكالة أنباء أوربية، ومن أغْرب بل أعْجب ما قاله السيد الوزير المحترم، هو أنّ الغرب بحاجة إلى إسلام أوربي، وكأني به يأخذ بمقولة "دورْكايم" كون الدين ينطوي على نشأة اجتماعية، ونحن لا ننكر أن جزءًا من هذه النظرية يظل صحيحًا، إذ هناك دياناتٌ فيها نشأة اجتماعية، بدليل نِسْبتها لمن بعثوها مثل الديانة البوذية التي أقامها ونشرها "الأمير سيد هارتا" الملقّب "بوذا"؛ وكذلك "كونفشيُوس" صاحب "الكونْفشيوسية"؛ و"مينسْيوس" صاحب "المنِسْيوسية"؛ وكلّها دياناتٌ من وراء إنشائها بشر؛ لكن الإسلام أمْره مختلفٌ تماما، إذ فيه نشأةٌ إلهية صرفة، وهو سبحانه وتعالى الذي أكمل هذا الدين، وأتم نعمتَه، ورضيه لنا دينًا كما جاء في كتابه العزيز، بعبارة واضحة وصريحة لا لبس فيها ولا مجال لتأويل..
كانت العقيدة أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيةً، وجذّابةً، وصافية صفاء الماء الزّلال؛ لكن بعد وفاته عليه السلام، حدثتْ فتنةٌ كبرى، وكانت بداية نشوء الطوائف، والمذاهب، والملل، والنّحل، مع العلم أنه لا مَذْهبية في الإسلام، فهو خالٍ تماما من التعقيدات، والرّهْبنة، وغيرها من بدَع البشر، وشطحاتهم التي طالت ليس فقط الشرائع، بل امتدّت حتى للشعائر التي كان من المفروض ألاّ تمسَّها يدُ بشر بالتغيير، أو التحريف؛ لكنّ العكس هو الذي حصل بسبب أناس أتوا من أمصار أخرى، فمزجوا الإسلام بتقاليدهم المأخوذة عن دياناتهم السابقة، حتى لإنّ أصحابَ المذاهب لم يكونوا عربا في الأصل، باستثناء الإمام مالك، ولستُ بحاجة إلى إعطاء أمثلة، حتى لا يتمّ تأويل كلامي تأويلا مغرضا مع العلم أن التأويل ليس بدليل.
يقال لنا خلال حصص [الوعظ والإرشاد] إن هذه المذاهب كانت في وئام، وعاشت في سلام مع بعضها البعض، وهو ما يصدّقه البسطاءُ بحسن نية، لكن الواقع كان مختلفا تماما، حيث كان أتباعُ هذه المذاهب في صراع مميت، وعداوة دائمة، مع تبادل التهم، حيث كان يكفِّر بعضُها بعضًا؛ لن أقول شيئا بهذا الخصوص، لكن أنصح القارئ بالرجوع إلى عدة مراجع، منها مثلا: [تاريخ بغداد]؛ المجلد: 13؛ صفحة 388 للخطيب البغدادي… أو [تذْكرة الحُفّاظ] مجلد:03؛ صفحة: 375 للذّهبي.. أو [تاج التراجم] مجلد: 01؛ صفحة: 324 (لابن العماد)، لترى العداء المستحكَم، والكراهية المستديمة، والتكفير، وهدرًا للدماء، يتراشق بها أهلُ المذاهب إلى يومنا هذا.. يقول (محمد بن موسى بن عبد الله الحنفي) وكان قاضيا في بغداد: [لو كان لي أمرٌ، لأخذتُ الجزيةَ من الشافعية] اُنظر المرجع الأخير لابن العماد مجلد: 01؛ ص: 35.
فإلى جانب هذه الاختلافات، والتطاحنات بين مذاهب سنّية في ما بينها وبين شيعية في ما بينها، ثم عداوة بين سُنّة وشيعة، وقدْيانية، وإباظية، وهلمّ جرا، يريد وزير الأوقاف إنشاء "ماركات" خاصة بالإسلام، على غرار "رونو" الفرنسية، و"ميرسديس" الألمانية، و"جاغوار" البريطانية، و"فياط" الإيطالية، و"سِيَاط" الإسبانية، وقس على ذلك؛ فبالإضافة إلى الاختلافات المذهبية، ستضاف اختلافاتٌ دولية ليصبح لكل دولة أوربية إسلامُها، تبيح فيه ما تشاء، وتُحرم ما تشاء؛ وبما أن أوربا أصبحت موحّدة، فبإمكان الإسباني أن يتّبع إسلامًا فرنسيا، تماما كما يقتني سيارة "رونو" الفرنسية بدل "سِيَاط" الإسبانية؛ وتلكم حرية اختيار.. إنه والله لدينُ العَبَثِية، ولكن لا علاقة له بالإسلام، لا من قريب ولا من بعيد، ولستُ أدري كيف سيكون هذا الدّين روحانيا، فيه قدسية، وله حرْمة، ورهبة ربّانية؟ أما بخصوص القرآن ضمن هذا المشروع، فسوف تتمّ كتابة قرآنٍ جديد، تماما كما حدث للإنجيل، حيث كتبَ "بيرْنَابا" إنجيلاً معدَّلا أسماه "إنجيل بيرْنابا"، لأنّ دينَ الدولة يحتاج إلى كتاب يتماشى مع سياسة تلك الدولة؛ والإسلام الفرنسي يحتاج إلى قرآن فرنسي جديد..
ثمّ تحدّث السيد الوزير، ونادى بتحليل نقْدي للإسلام، وهنا جانب الصّواب تماما.. فهل في الإسلام ما يُنْقَدُ إذا كان المسلم يؤمن بأنه من عند الله؟ فإذا تراءى لك شيءٌ في الإسلام يجب نقدُه، فاعلمْ أن عقلك هو الذي بحاجة إلى نقد ذاتي، ومُراجعة وليس الإسلام كما أوهمك العقلُ الخطّاء بطبعه: يقول "الغزّالي": [ما دلّ نظرُ العقل ودليلُه على بطلان ظاهرِه، علمْنا ضرورةً أنّ المراد غيْر ذلك.].. وهنا نصل إلى بيت القصيد، ونلامس مصدر الخلل، الذي لم تواتِنَا الشجاعة يوما لمعالجته بشكل فيه جرأة، وإقدام، إنّه بركان التراث، الذي ينفث حِمم التطرف، والإرهاب، وكل ما يخالف الإسلامَ عقيدةً، وعملا، وسلوكا؛ فهل أنتَ يا معالي الوزير قادر على الصبر تجاه هذا البركان، ومنْه شطْر ثائر، وشطرُه الآخر نائم إلى حين؟ هذا هو السؤال الجرّيء..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق