التّراث هو البركان الذي ينفثٌ حِمَمَ التّطرف والإرهاب(2-2)

التّراث هو البركان الذي ينفثٌ حِمَمَ التّطرف والإرهاب(2-2)

2016-09-21 11:24:26

معضلتنا الكبرى تكمن في ركام التّراث الإسلامي، وما أكثر المفكّرين الذين نادوا بمراجعة ونقد، وتنقية هذ التّراث مما علق به، ومما يخالف ويصادم القرآن نفسه، ويسئ لأخلاق النبي صلّى الله عليه وسلم، ويعطي صورة مشوّهة لشخصه، وهو ما يستغله أعداء الإسلام عبر رسومهم، وأفلامهم، ويستثمره دعاة الإرهاب باعتبار ما ينادون به هو صادر عن نبيّ الإسلام.. فلو اطّلعت يا معالي وزير الأوقاف، على كتب تراث أحيطت بالقدسية كتبها أناس مثلنا لا قداسة لهم، وخطّاؤون كسائر البشر، لملئت رعبا مما تقرؤه، ولا أحالك إلا قرأته، ولكن غضضت الطّرف لجسامة وضخامة مهمة تنقية التّراث لإنقاذ الأمة من أوحاله والتي غرقت فيها من أخمص قدميها إلى منابت الشعر..
ماذا نجد في هذا التّراث غير اجترار بعد اجترار وكتب لا تكاد تقع تحت الحصر، ومؤلفات ومجلدات لا تضيف حرفا واحدا جديدا، وعلماء يقومون بشروح على شروح وتعليق على تعليق وأسماء أفردت لها تواريخ وصيغت لها تراجم، فهذا رجل خلده المؤرخون لأنه حفظ « الشّاطبية »، وسرد مرة النّسب النبوي طردا وعكسا، وهذا قرأ « الشّاطبية » و« الرّائية » على فلان، وذاك قرأ شرح البهجة على فلان، والآخر قرأ كتاب التبيان في آداب حملة القرآن لفلان، وقرأ السّيرة على فلان، ثمّ أنهى دراسته بقراءة الإسعاد بشرح الإرشاد، وفي هذه الدائرة مازالت الأمة تدور والعالم يسير قاطعا أشواطا في التقدم، والرقي والبحوث العلمية وإني أتساءل إلى متى سنبقى نحن نغطّ في سبات والعالم يجري من حولنا دون أن نشاركه في الحضارة.
لكن الأخطر في هذا التّراث هو ما يشّرع الإرهاب، والتّطرف، والدّموية، ومنه يستقي الظّلاميون أفكارهم، وبه يقنعون المغرر بهم، حين يسمع الضحية بأنه يجوز « تحريق وتغريق وهدم البلاد حتّى ولو فيها مسلمون » ولن أذكر إسمي من أفتيا بذلك، وهو ما يحدث الآن في عدة بلدان، ويقتنع الناس بذلك عند سماعهم فلان وفلان، في كتابيهما بعنوان كذا وكذا نظرا للقدسية التي أحيط بها فصارت كتبهم مرجعا، وكلامهما لا يردّ، والمكذّب كافر أو فاسق أو جاحد بالدّين وتعاليمه.
ثم تسمع المرأة بأنه بإمكانها « الجهاد » عبر مضاجعتها للمجاهدين طبقا لما يسمّى « جهاد المناكحة »، وهذا موجود في كتب التّراث  الشهيرة، والتي تسمى « الصّحاح ».. ماذا يفعل الضحيّة المغرّر به، حين يسمع بأن شيخ المفسّرين يبيح « قتل الطفل الذي أنبت »، وجاء كذلك في سيرة » أحدهم وهو ما يوافق « سفر يشوع »: (اقتلوا كل طفل ذكر) مما يبين أن ذلك مصدره غريب عن الإسلام السمح.. بماذا يردّ الضّحية الذي يصبح إرهابيا عندما يسمع من كتب التّراث « المقدس»، أن النبي قال: (جعل رزقي تحت ظل رمحي) ؟…
وصدق « العسقلاني » في كتابه (التّهذيب): « إذا هووا أمرا صيّروه حديثا».. ماذا عساه يفعل صاحب العقل المعطّل، وهو يسمع بأنه يجوز (أكل لحم المرتدّ بعد قتله) أليست هذه دعوة إلى العو دة بالإنسان إلى عهد » الكانيباليسم » وهو أكل لحوم البشر؟.. مذا يفعل « مجاهد» الظلاميين وقد وجد أمامه طفلة لا يوطأ مثلها وتسمع بأنه إن وطأها فلا حدّ عليه؟..
كيف لا تتحرر غرائز الدّمويين باسم الجهاد الكاذب، وهم يسمعون بأن ما يقومون به من أفعال مشينة إنما هي قضاء وقدر من الله، ولا عقاب عليها وهو ما يذكر بما قاله « هتلر» لجنود بأن كل من ارتكب جريمة يحاكم عليها القانون عادة، فلن يحاكم إطلاقا، فتمادى الجنود في جرائمهم النكراء؟..
لقد قالوا و« حاشا ذلك»، بأن النبي عليه السلام سمل أعين بعضهم بالنار ومن ذلك استشفوا جواز التعذيب بالنار.. ولن أحدثك عن « جواز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب محظوراتها للضرورة «.. أما بخصوص ميدان العفّة والأخلاق: مضاجعة المرأة الميتة وجلد عميرة في رمضان وتوافق رجل وإمرأة في الحرام ورضاعة الكبير، ثم وطء الخادمة أو محرم ولا حدّ فيهما إذ العقد شبهة) وهو ما ردّ عليه « إبن حزم»، واستبشعه في كتابه « المحلّى» وكذلك « النووي » في كتابه « المجموع » فهل أنت يا وزير الأوقاف على استعداد لتنقية التّراث من العقائد الفاسدة والأفكار المغلوطة والأحاديث الكاذبة التي بها يتم الاستحمار والاستغباء والاستبلاد لتعطيل العقول بأفكار شادة تنسب ظلما للإسلام الحنيف؟ فنحن في انتظار « ديكارت » عربي ليشك شكّا منهجيا في كل ما قاله الأسلاف وينقلنا من المنقول إلى المعقول في تراثنا وإلا سيظل هذا البركان التّراثي ينفث حمما وسموما في الأمة عبر الأجيال، وهذا هو المشكل الذي تتهرب من مواجهته، ونستعيظ عنه بكلام إنشائي تعليقا على كلام إنشائي سبقه، وهكذا دواليك..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق