تَفضّلْ بالدّلائل أيها الرفيق المتسائل!

تَفضّلْ بالدّلائل أيها الرفيق المتسائل!

2016-09-30 11:16:50

بعد نشْر مقالة [حزب أسسه "ليون سلطان"] يوم الخميس 22 شتنبر 2016؛ اتّصل بي أحدُهم، ليصحّح لي المعلومات؛ وكان ذلك على شكل سؤال تعجّبي: [ومتى كان الحزب الشيوعي الفرنسي يعمل بتعليمات من ستالين؟].. هكذا.. لقد غاب عن ذهن هذا المنتقد المتسرّع، أنه كان في موسكو مكتبٌ اسمه [الكومينْفُورم]؛ كانت مهمّته تمرير تعليمات "ستالين" إلى كافة الأحزاب الشيوعية في أوربا الغربية؛ وعبْر مكتب الاتصال هذا، أمر "ستالين" الحزب الشيوعي الألماني بزعامة [أولبريخت] بالمشاركة في حكومة [هتلر] سنة 1933، على اعتبار أن الاشتراكيين هم الخطر الحقيقي، وليس النازيين؛ كما أن [هتلر] رجل ضعيف، وبعد 06 أشهر، سيُضْطرّ لترك الحكم ليتسلّمه الشيوعيون؛ ولكنّ "هتلر" ما كان في نيّته التخلي عن السلطة؛ فلقد استخدم الشيوعيين لضرب الاشتراكيين؛ ثم تكفّل في ما بعد بالشيوعيين، وأقام لهم معسكر اعتقال كان هو أول معسكر اعتقال في [داشو]؛ وكان الشيوعيون الذين تحوّلوا إلى النازية، هم من يقوم بتعذيب رفاقهم القدامى..

وفي سنة 1948، انطلقتْ حملات التطهير الستالينية في صفوف الأحزاب الشيوعية في بلدان أوربا الشرقية، التي أصبحت خاضعة لموسكو بعد الحرب؛ وكان على هذه الأحزاب اختيار أكباش فداء؛ فكان الضحية في [المجر] وزير الداخلية الأسبق الذي أصبح وزيرا للخارجية، ويُدْعى [لاَسْلو رَايْك]؛ كان  الرجل شيوعيا مخلصا، وشارك إلى جانب الشيوعيين في حرب إسبانيا، ولكن وقع عليه الاختيار ليكون كبشا يُذْبح كقربان "لستالين الإلاه"، والمعصوم من الخطإ؛ وبعدما حفظ عن ظهر قلب التهم التي وجب عليه سردُها أمام المحكمة الصورية، والاعتراف بها، أُدين وأُعدم في 19 أكتوبر من سنة 1948 في سجن [كونتي] في [بودابيست]؛ وقد استُشير  "ستالين"  في شأنه لأنه كان بريئا؛ فأمر بإعدامه لتقوية موقف الحزب؛ وقد أُعدم معه ثلاثة آخرون من كبار القادة وأخلص الشيوعيين وهم: [تبُورْ سُوني؛ وأندراش سولاي؛ وجورج بالْفي].. وقد وصفت الصحف تلك المحاكمة بكونها [mascarade] بودابيست.. لكنّ صحيفة [لومانتيه]، وهي لسان الحزب الشيوعي الفرنسي، وصفت المحاكمة بكونها عادلة: اُنظرْ عدد يوم 16 شتنبر 1948 لمراسلها [بيير كورطاد]؛ وللتذكير فقط، فالحزب الذي وصف تلك المحاكمة المهزلة بالعادلة، هو نفسه الذي وصف محاكمة إرهابيي [أكديم إيزيك] ببلادنا بكونها كانت غير عادلة، واستُقبل في اليوم التالي زعيمُه [فرانسوا ميلونشون] بالحضن والقبُلات من طرف البعض في الرباط منذ 4 سنين..

طلب مثقفٌ هنغاري كبير وشيوعي قديم مقابلةَ المفكّر الفرنسي والشيوعي المفْعم [جوليان بيندا]؛ فاستدعاه لتناوُل العَشاء معه؛ وخلال الحوار الذي دار بينهما، قال [فرانسوا فيشتو] للمفكّر [بيندا]: "جئتُ ألتمس منك التدخل نظرا لمكانتك الفكرية لإيقاف إعدامات [بودابيست]، وأنت تعلم أن هؤلاء أبرياء"؛ فكان جواب المفكر الكبير [بينْدا]: "أنا لا أشكّ يا رفيق [فيشتو] في ما تقوله؛ ولكنْ كيف تريد مني أن أصدّقك بدلا من تصديق "ستالين"، وأن أكذّب الحزب الشيوعي؟".. فتكذيب الحزب يعتبر كفرا وردة، لأنه معصوم ولا يخطِئ أبدا، وهو ما تراه الآن في الحزب الشيوعي المغربي؛ فلا أحد ينتقده أو يخطِّئُه، بل الكل يزكي، ويحمد، ويسلِّم بالأمر.. هذا يشبه تماما قصةً وردت في الإنجيل، وهي قصة [جوب] يعني سيّدنا [أيوب] عليه السلام. ابتُلي هذا النبي بمرض عضال لسنين طويلة؛ فأوّله بعضُهم، حيث قالوا لأيّوب: [لابد أنك ارتكبتَ إثْمًا فعاقبك الرب]؛ فأجاب "أيوب": [كلاّ؛ لم أرتكب إثما أبدا]؛ فقيل له: [اُسْكتْ لا تقلْ هذا؛ فإن قلتَ إنك بريء، فمعناه أن الرب أخطأ].. وهكذا فإن الشيوعي لا يقول إن الحزب أخطأ؛ وعليه أن يرحب بحكمه، ويقدم عنقه إلى حبل المشنقة راضيا مرضيا؛ فالشيوعية هي في الأساس منهج وعقيدة ظلامية..

أما بخصوص تساؤُل ذلك الرفيق عمّا إذا كان الحزب الشيوعي الفرنسي ينفذ تعليمات "ستالين" فنقول له: هيِّئْ نفسَك للصدمة التالية؛ لقد منع "ستالين" زعيمَ الحزب الشيوعي الفرنسي [موريس طورّيز] من المشاركة في حكومة [ليون بلوم] يوم 04 يونيو 1936: اُنظر جريدة [الفيغارو] ليوم 05 يونيو 1936؛ أو انظر موسوعة: "مغامرة القرن 20" صفحة: 445.. وبما أن الحزب كان ينفذ تعليمات "ستالين"، فقد تمّ حلُّه يوم 26 شتنبر؛ ومُنعت جريدة [لومانِتيه] من الصدور يوم 24 شتنبر 1936؛ كما أُلقي القبضُ على 35 عضوا من الحزب الشيوعي؛ وقام "طُورّيز" بمظاهرة احتجاجية في شارع [الإيليزي] بصحبة زعيم أقصى اليمين [جاك دوكْلو] كما يظهر في صور كل الجرائد آنذاك. فما ردّك أيها الرفيق المحترم؛ فما تعوّدنا الكذب على القراء في هذه الجريدة الغرّاء…



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق