كان المغربي متقدّما على الصيني فماذا حدث؟!

كان المغربي متقدّما على الصيني فماذا حدث؟!

2016-10-02 13:15:02

زار بلادَنا منذ أيام، وفدٌ برلماني صيني، قدِم من بلاد المليار و500 مليون نسمة، وصاحب الحزب الواحد، وشاهدنا على شاشة التلفزة "رئيس حكومة الأربعين وزيرًا" في بلد 35 حزبا، وحملة انتخابية كلفت 25 مليارا، فيما فقراء، ومعطّلون، يرزحون تحت وطأة الفقر المدقع، في مغرب لا يتجاوز سكانه 34 مليونًا، وهو عدد الذين ماتوا في الصين، بسبب المجاعة في الخمسينيات؛ شعبٌ كنا نحن المغاربة نسخر من كونه يأكل السلاحف، والضفادع، والثعابين، حتى فوجئنا بالنسانس الصفر كما كان يسمّيهم [هتلر] للسخرية منهم، والحطّ من قدْرهم، وإذا بالنسانس يستحيلون عمالقة.. رأينا "بنكيران" يحدّثهم، وهو واضع ركبة على ركبة، في اليوم بالذات الذي أرسلوا فيه إلى الفضاء قمرا اصطناعيا متطوّرا هو الأول من نوعه في العالم، ناهيك من معجزة "القطار المغناطيسي المعلَّق]، ردّا على مفخرة [القطار الرصاصة] الياباني؛ تلك اليابان التي دفنتْ، وهم أحياء، صينيين مستضعفين، خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، على يد الجزار "ياماشيطا"؛ والجلاّد "تَيارا أوتشي"؛ هؤلاء الصينيون يستحقون تحية إجلال..
عندما اجتاحت اليابان مدينة "شانغ هاي"، وتوغّلت داخل البلاد، قام الصينيون بتفكيك المصانع، والمستشفيات، وحملوا على ظهورهم، وعلى الدّواب ما يزيد عن 250 ألف طن من المعدات والآلات المفكّكة عبر الجبال، والأنهار متّجهين نحو الشمال الغربي، هروبا من بطش اليابانيين.. يقول المؤرّخ الشهير "فرناند بروديل" في كتابه [تاريخ وقواعد الحضارات]؛ صفحة: 249: "لقد ظلّت الصين تعاني زمنا طويلا من الإذلال، حاولت فيه جاهدة إيجاد العلاج لهذه الفترة من تاريخها. وتمكنت من الخروج منها بفضل جهود خرافية لم يذْكر التاريخ شبيها لها".. وحتى خلال مآسيها السياسية والاجتماعية تمكّنت الصين من الأسرار النووية، بالرغم من رفض الاتحاد السوفياتي منحها إياها، وفجّرت قنبلتها التي أيقظت العالمَ سنة 1964.. وبعد أعاصير "الثورة الثقافية" ثم رحيل "ماو"، قرّرت الصين اللحاق بركْب الدول المتقدمة، وكان الفارق 30 سنة، ثم تقلّص إلى 16 سنة، ثم صار الفارقُ [0] سنة..
لقد كان من المفروض أن يتقدم المغاربة قبل الصينيين؛ فالمغاربة هم كذلك عانوا من نير الاستعمار، وعانوا من الجوع والفقر، وكان لهم خصومٌ وما زالوا، وهي كلّها عوامل محفّزة على التقدم والرقي.. ففي الستينيات فقط كان دخْل المغربي يفوق دخْل الصيني بثلاث مرات؛ فما الذي حصل حيث ارتقى الصيني، وظل المغربي في الحضيض؟ لا بل صار المغربي اليوم، يطلب مساعدةً من الصيني، وتستجديه الدول للاستثمار لديها؛ فما السبب يا ترى؟ ففي أواسط السبعينيات، عرف المغرب فترة رخاء وازدهار لا تُنكَر، وكان سوق الشغل مزدهرا حتى أنّ العرض فاق الطلب؛ وكان التعليم في أحسن أحواله؛ وكانت الجامعات العالمية تفضّل الطالب المغربي على غيره؛ وكانت اليد العاملة مطلوبةً؛ وكان الدرهم قويّا في أسواق الصرف بالرغم من أن المغرب لم يكن لديه ذهبٌ أسود.. ولكنْ يوم بدأ عصر الأحزاب التي صارت أوكارا للذئاب، والديموقراطية لباسا للأذناب، وصار الميدان السياسي مرتعا لكل من هبّ ودبّ، رفع الله بركتَه كما يقول المغاربة الأبرار..
وما زالت هذه الأحزاب تكذب وتتحايل على المواطن، ولإرضائها تتكوّن الحكومة من 40 وزيرا في عزّ الأزمة الاقتصادية، وتُرصَد 25 مليارا لحملة انتخابية، في وقت يُقْمَع فيه المعطَّل، ويُجْلَد المكفوف، ويُنْتقَص من قوت المتقاعد، ويُرسَل الطفلُ للأشغال الشاقة بدل مقعد المدرسة، وتُفتَح [کورنة] الانتخابات، وتبدأ عملية [الاندفاع نحو البحث عن الذهب] كما حدث ذات يوم في أمريكا وهو ما سُمّي [La ruée vers l'or].. يقول الكاتب المعروف [أندريه فَلتْشيك]: "لقد زرتُ الصين، فوجدْت أنه لا مقارنة بين "بكين" و"باريس" أو "بانكوك" أو "جكارتا"؛ وزرتُ القرى النائية، فوجدتُ ألواح الطاقة الشمسية، وأجهزة التبريد، والتلفزة عند سكان القرى، بالإضافة إلى المستوصفات، والمدارس، ومحطّات القطار والباص؛ فذُهِلتُ؛ فلمّا سألتُ عن السر، قيل لي إن الدولة ترصد الملايير للبرامج الاجتماعية؛ وبين الفَينة والأخرى تُنظَّم احتجاجاتٌ، فيرفَع فيها المحتجّون أعلام الحزب الشيوعي، ولافتات تذكِّر بمبادئه، وتطالب بتنفيذها؛ فتُحْرج الدولةُ، ولا تقوى على قمع المتظاهرين؛ ثم إن المناصب لا تؤمِّن الحماية لأحد".. أما أحزابنا، فزعماؤها مرتزقة، ومناضلوها من أهل "تُبَّع"؛ وحتى الدستور، لم ينزَّل منه بندٌ واحد إلى الواقع منذ صوّت عليه  الشعبُ قبل 5 سنوات خلت يقول [فَلتْشيك]: "إن الظاهرة الصينية تحتاج إلى بحث علمي معمّق للاقتداء بها"؛ وهذا هو دوْر مراكز الدراسات الاستراتيجية عندنا، وتزويدها بخبراء أكفاء، بدل مهرّجين "يتبنّدون" على الشاشة؛ فلا تعوِّلوا معْشرَ المغاربة على "بنكيران" الذي أصيب بجنون السلطة، ومعه أحزاب تآمرت على الشعب ثم أتت اليوم تتسوّل أصواتنا دون استحياء.. هذه بإيجاز بالغ هي قصة صين الحزب الواحد، و14 وزيرًا فقط..


صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق