وماذا عن الاختفاء القسْري للحقوق وسنوات رصاص غاب فيها العدل والقصاص؟ [2-2[

وماذا عن الاختفاء القسْري للحقوق وسنوات رصاص غاب فيها العدل والقصاص؟ [2-2[

2016-10-06 11:14:31

كانت تلك الفترة التي أطلقوا عليها تعسّفا "سنوات الرصاص"، فيما التاريخ لا يذكر فترة بهذه التسمية؛ بل هو مصطلحٌ استُحدث لأغراض، ولإظهار الذين دخلوا الحربَ من أجل السلطة في ثوب المظلومين؛ لكنْ ما حدث لهم هو أمرٌ طبيعي، وتلكم طبيعة أية حرب، وأي صراع من أجل السلطة عبر التاريخ، وهو ما حدث للملك حُسيْن في الأردن مع الشيوعيين، وما حدث لعبد الناصر مع الإخوانيين، ولم أجد نظاما واحدا قال لخصومه: تفضّلوا يا سادة، هذا هو الحكم فخذوه حلالا طيّبا، وافْعلوا برقبتي ما شئتم.. فهذه كما يذكّرنا التاريخ، هي معركة حياة أو موت، تخوضها مكرهةً جميع الكائنات من أجل البقاء، فما بالُك بالإنسان؛ فلا يجوز أن تصوِّر المهزومَ فيها على أنه مظلوم.. لكن في بلادنا المغرب، نشأت فلسفةٌ غريبةٌ منذ بداية هذا القرن، حيث الميتُ داخل القبر اتهمناه، ويقال في شأنه الكثير، لأنه عاجزٌ عن الرد، والدفاع عن نفسه، وإن كان ضحيةَ إجرام أهملناه، وما أنصفناه، بل ندافع عمّن قتله، ونعترف له بحقّه في الحياة كي لا يُعدَم كجزاء طبيعي وعادل يستحقه القاتل، لأن من سيقيم الدعوة قد مات، ولا هيئة إنصاف ستدافع عن حقه..

فالحسن الثاني طيّب الله ثراه في ذمة الله، ولا يمكنه الرد وتوضيح ما حصل في تلك الفترة السوداء التي تعرض فيها لمحاولتيْ اغتيال، بالإضافة إلى محاولة اختطاف واحدة؛ ولكي أعترفَ وأقبل بمظلومية أصحاب [سنوات الرصاص]، ينبغي أن أستمع للطرفين معًا وقد عاتب الله سبحانه وتعالى نبيّه (داوود) في قضية صاحب 99 نعجة الذي أراد أن يأخذ نعجة الآخر لاستكمال 100 نعجة؛ فحكم له (داوود) دون الاستماع لصاحب 99 نعجة، وكان ذلك مخالفًا للعدل.. فنحن نستمع ونقرأ ما كتبه وما يدّعيه خصوم الملك، ولا نصغي لما يقوله حُماة الملك، أو نراجع وثائق، وأشرطة، وتسجيلات تلك الحقبة لنعرف حقيقة ما حصل فعلا.. فالتاريخ لا يذكر شيئا عنها بوجه خاص، بل يتعرّض لها بشكل عام ضمن ما عرفتْه تلك السنوات من صراعات، ومحاولات انقلاب من أجل السلطة هنا وهناك عبر العالم..

في جواب لجلالته على سؤال لصحفي فرنسي، حول ما حدث قال جلالته: "سأجيبك عبر سؤال سأطرحه عليك، وهو: ماذا كان سيفعل هؤلاء بالملك وبأسرته لو كانوا قد ظفروا بهما؟".. لم يردّ الصحفي، واكتفى بابتسامة معبّرة.. فالذين عانوا الويلات، فقُتلوا، أو اختفوا، أو سُجنوا فذنبُهم ليس في رقبة الملك، بل ذنبُهم هو في رقبة من غرّر بهم، واستخدمهم، وأقنعهم بدخول الفتنة بدعوى "النضال" تماما كما يُغرَّر اليوم بآخرين بدعوى "الجهاد".. خلال الفتنة الكبرى بين [عليٍّ ومعاوية] قُتل صحابة رضوانيون، بايعوا تحت الشجرة، فقُتِل (عمّار بنُ ياسر) وهو من أتباع (عليٍّ) كما قُتل (طلحة والزبير) وهما يقاتلان (عليّا) وكلهم لهم مكانة رفيعة، وكان يحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكنْ هي الفتنة، وتلكم طبيعتها.. لما قتِل "عمّار بن ياسر" استاء "عبد الله بن عمْرو بن العاص"، وكان لندمه على مشاركته في معركة "صفّين" يلطم خدَّه كلّما فرغ من صلاته قائلا: "ما لي ولصفّين" فقال له أبوه "عمْرو بن العاص": [إن ذنبَه هو على من جرّوه إلى المعركة ولسنا نحن].. اُنظر كتاب: "رجال حول الرسول" لخالد محمد خالد؛ صفحة: 541..

لكنْ حدث في المغرب ما يجعلك تستغرب.. لقد تقاضى أصحابُ الفتنة التي أطلقوا عليها [سنوات الرصاص] ما بين 300 و850 مليون سنتيم من مال الأمّة، تعويضًا لهم، واعترافًا بما فعلوه خلال سنوات الاضطرابات، وأسّسوا لذلك هيئة سُمِّيت [هيئة الإنصاف والمصالحة] في وقت قيل فيه لجنود مغاربة، حاربوا في صحرائنا وسُجِنوا، وتمّ إطلاق سراحهم، بعد اتفاقية تبادُل الأسرى بين المغرب والبوليساريو، قيل لهم عندما طالبوا بتحسين أحوال أسرهم المتضرّرة: [لو كنتم رجالاً لما سُجِنتم] وكأن الحرب نزهة، وليست مأساة كل شيء فيها وارد، من قتل، وإصابة، وسجن.. لم يعاملوا كما عامل "روزڤلت، وتشرشَل، وديغول" سجناء الحرب العائدين، بل عاملوهم معاملة "ستالين" الذي زجّ بهم مجدّدا في معتقلات في "سيبيريا" مع السجناء النازيين.. ولما طرق هؤلاء الجنود البواسل بابَ وزير حقوق الإنسان آنذاك، كان جوابه: [احْمدوا الله على أنكم على قيد الحياة، وأُطلق سراحُكم]؛ يا سبحان الله كيف عُومل أصحاب الفتنة، وكيف عومل أصحاب الدفاع عن رمال المغرب الغالية! لا أحد يتطرق لهذا الموضوع.. لا أحد فكّر في إنشاء "هيئة إنصاف" خاصة بهؤلاء؛ فهل هذا هو العدل أن يُكافأ من كان يريد قتل الملك، وإحداث فتنة عارمة في البلاد، ويُهْمل من حمل السلاح لمحاربة خصوم البلاد؟ أليس هذا هو اللامعقول بعينه؟!

وفي الوقت الذي كانت تُوزّع فيه الملايين على أفراد "الفتنة"، كان الصيادون المغاربة في البحر الأبيض المتوسط، يلاحظون أن السمك لم يعدْ تغريه طعومُهم، لأنه شبع من لحوم الشباب المغربي الفار إلى أوربا من البطالة، والفقر، وقلة الحظ الباسم؛ فيما حاملو الشهادات تكسِّر الهراواتُ عظامهم أمام البرلمان، وأمام عدسات كاميرات وسائل الإعلام الغربية؛ وفي المساء خلال النشرة التلفزية يصرّح وزير الإعلام آنذاك المدعو "عليوَة" بأنه يجهل الجهة التي أمرت بضرب المعطّلين.. يا سبحان الله!.. كسِّرت العظام، وسالت الدماء، وأغمِي على الكثيرين، ووسائل الإعلام الغربية تتسابق من أجل السبق  الإعلامي، ولم نَرَ "هيئة إنصاف" خاصة بهؤلاء المنكوبين.. كان يقال إن ملف تشغيل المعطلين لا يتطلب ميزانية، وإنما فقط إرادة سياسية، وهم يعنون "إرادة قمعية" وقد قَمعوا، وبدلا من تشغيل العاطلين، شغّلوا الهراوات مختلفة الأطوال والأحجام..

وبعد أيام على المأساة، حلّت الملهاة، حيث بَشّر رئيسُ البرلمان كل النواب بأنه زيد في تعويضاتهم بمبلغ يقدر بـ: (5000) درهم، فالتهبت أكفُّهم بفعل شِدّة التصفيق لروعة البشرى.. وبعد أشهر، تفتّقت عبقريتُهم [ومعلوم أن العبقرية كما يقول الفلاسفة قد تشبه إلى حدٍّ ما الحماقة]، وتجلّت عبقريتُهم الحمقاء [بعد بيع كل المؤسسات في بورصة الخوصصة] في حملة [المغادرة الطوعية]، حيث يتقاضى المغادر من 70 إلى 140 مليونًا، وعندما يصل سن 60 يتقاضى تقاعدَه كاملا، وأما الخصاص فيملؤُه التعساء في كافة القطاعات، وإذا أضربوا كان جوابهم هو الاقتطاعات.. سوف يكتب المؤرّخون عن كل هذا وهم ينفجرون ضحكًا بسبب قوم تحسبهم سكارى وما هم بسكارى، وهم يمارسون سياسة سريالية فريدة من نوعها في التاريخ السياسي.. وسيذكر التاريخ ما حلّ بالمغرب من أزمات اقتصادية نتيجة لذلك، حيث عمد مَن خلفوهم إلى استهداف أقوات، وجيوب، ومكتسبات المواطن، وفي التلفزة يتحدّثون عن الانتعاش الاقتصادي، والإصلاحات، وهلمّ جرا من الأكاذيب والتّرهات، فيما الواقع الفاقع يقول عكس ذلك تماما.. فحتى تلك الفترة التي يسمّونها "سنوات الرصاص" لم تعرف أبدًا ما يعانيه المواطن اليوم من اختفاء قسْري لحقوقه ومكتسباته.. فسنوات "الرصاص" هي السنوات التي يعاني فيها المواطنُ كل أنواع الخصاص، ويرزح تحت الظلم وغياب العدل والقصاص.. هذه هي سنوات الرصاص الحقيقية، حيث استهدف رصاص سياستهم أموال البلاد، وحقوق العباد.. فكثرة المنتحرين، والمهاجرين الفارّين، لخيْر دليل على صحة ما نقول ثم انظرْ من حولك وسترى أصَدقْنا أم كنّا من الكاذبين؛ حسْبي الله!



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق