تمهّلْ أيها الجلاّد راجعِ الدستور وتذكّرْ خُطَب ملك البلاد!

تمهّلْ أيها الجلاّد راجعِ الدستور وتذكّرْ خُطَب ملك البلاد!

2016-10-17 11:30:16

تعرضتْ مسيرةُ إسقاط التقاعد للجلد، والضرب، وتكسير العظام أربعة أيام قبَيْل 07 أكتوبر، وهو يوم الاقتراع، حيث يدلي المواطن بصوته باعتبار التصويت حقّا مشروعا كما قالوا عبر أبواق الدعاية، وهذه مسألة محمودة ومطلوبة، إذ يصبح التصويت حقا، ثم لا عيب في ذلك؛ لكن لماذا تكون هرولة الملايين نحو صناديق الاقتراع حقّا، وتبقى مسيرةٌ سلمية لإسقاط التقاعد باطلاً وأمرا محرّما؟ لماذا تكون مسيرة الدار البيضاء السّلمية للتنديد بحكومة "بنكيران" الظالمة مقبولة، وتكون مسيرة الرباط المندِّدة بقانون [التقاعد] الذي أنتجتْه نفسُ الحكومة الظالمة مسيرةً مرفوضة؟ ما الفرق بين المسيرتين يا ترى؟ لماذا يُسْمَح بتلك وتُجْلد هذه، والحكومة المسؤولة واحدة؟ على هذا السؤال الدقيق، أجابني فيلسوف الطيور، ويُدْعى [اللّقلاق] إذ قال: [اُترك الحَبّ تُحَبّ] وهو على حق؛ فهو طائر مقبول، ولا يتعرض للقمع، ولا يحاربه أحد، ولا تُشتّت تجمّعاتُه، لأنه لا يطلب قمحا، أو شيئا مما يحبه ويحتاجه البشر.. فمسيرة البيضاء لم تذْكرْ حَبّا أو حقوقًا مادية، فيما كانت مسيرة الرباط تطالب بإعادة الحقوق، وعدم المسّ بالقوت، لذا وجب ضربُها وتشتيتها، لأنها طالبت بالحَبّ، يعني القمح، أو الخبز، أو الفلوس، أو الحقوق المرتبطة بالعيش، وقسْ على ذلك..

والذين يأمرون بجلد المطالبين بالحقوق، تجدهم على [حقّ]؛ فماذا سيبقى لذوي الامتياز إذا نحن ردَدْنا الحقوق لأصحابها؟ كيف سيكون حالهم إذا انتُقِص من بَذْخهم الذي أساسه ومصْدره قوتُ ورزقُ المستضعفين؟ ماذا سيبقى لوزراء الحكومة المقبلة، وربُّك أعلم بعددهم؟ من أين سندفع تعويضات البرلمانيين القادمين، وقد سوَّقوا شخصياتِهم، وتنازلوا عن شرفهم، وكذَبوا، ونافقوا، وبُهْدِلوا من أجل مقعد في البرلمان، حيث فاكهةُ رمّان، ووِلْدان مخلّدون، ولحْم الطير مما يشتهون؟ هل هذا معقول؟ إذن، ضربُ المظلومين، وتكسيرُ عظامهم أمرٌ مطلوب، وحقٌّ مرغوب، وواجبٌ مؤكّد ومباح؛ وبعد تحطيم حقوق المظلوم، فلا عيب في أن تُحطّم أضلاعُه، حفاظا على بذخِ وامتياز ذوي الامتياز..

في الصين، كما قلتُ في مقالة سابقة، وهي بلد الحزب الواحد، وصاحب 14 وزيرًا فقط، لا تُقْمع المسيرات، وهي تذكّر بمبادئ الحزب، وما يضمنه من حقوق للشعب، فيما نحن نقمع بشراسة كلّ من رفع شعارًا يذكّر بحقوق يضمنها الدستور، وتؤكدها الخطَبُ الملكية السامية خلال كل ذكرى وطنية؛ وإني لأتساءل عن طبيعة، وعقلية، ونفسية هؤلاء الذين يسخِّرون الهراوات لضرب المظلومين في الشوارع، أمام كاميرات وسائل الإعلام الدولية، وهو ما يسرّ الأعداءَ، ويوظّفه الخصوم ضد الوطن في المحافل الدولية؛ والمصيبة هو أن هؤلاء عندنا ينهجون فينا سياسة "البوليساريو" في معتقلات [تيندوف] حيث تُقْمع الاحتجاجات بشكل عنيف.. إنها الحقيقة المرّة، وصدق من قال [حقٌّ يضرّ، خير من باطل يسر]؛ وما هذه السطور الحزينة إلا خَوف على الوطن، واستقراره، وسُمعَته بين بلدان المعمور.. فلا نحن نرغب في منصب، ولا نحن نقوم بدعاية لحزب، ولا نحن نطمح لشيء من مطامع الدنيا الغادرة؛ حسبُنا الله، ما قصدنا ذلك، وإنما ننوّر من يجهلون التاريخ، ولا يأمنون مكرَه..

تذكّر أيها الجلاد، مآسي ومخازي الساحة الحمراء في موسكو سنة 1905 يوم "الأحد الأحمر" الذي زجّ بروسيا في غياهب الظلام طيلة 70 سنة.. تذكّر ما حدث سنة 1989 في مدينة [تيميشْوارا] في رومانيا سنة 1989.. تذكّرْ ما حدث في تونس منذ بضع سنين، وما زالت البلاد تعاني إلى ما شاء الله.. تذكّر ما حدث أيام سيدنا "عثمان" رضي الله عنه، بسبب سياسة [مروان] وأبيه [الحكَم] وأزلامِهما الذين أجحَفُوا الصحابةَ حقوقهم، وكسّروا عظام بعضهم، وهو ما تعاني منه الأمّة إلى يومنا هذا.. تذكّر ما حدث في [الزايير] سنة 1996، أو زُرْ قبْر [موبوتو سيسيكو] واطلُب منه أن يحدّثك بالتفصيل في مقبرة المسيحيين في الرباط.. هذا ما ذكّرني به ذاك الشيخ الحكيم الذي اسْمُه [التاريخ]، والقصة طويلة، والرقعة لا تكفي؛ لكن هذا يكفي.. فالله سبحانه وتعالى بعظمته وجلاله وهو القاهر فوق عباده، يسمح للمتألمين، والمتذمّرين، وللقانطين بالمسيرات المطلبية، وهي [صلاة الاستسقاء]؛ فهل أنت أيها الجلاد أقوى وأحكم وأعدل من رب العباد؟ كان [ستالين] يصادر محاصيل الفلاحين، وكانت كل امرأة تبكي ولو في صمت، تُرسَل إلى المعتقل في [سيبريا].. فهؤلاء المشاركون في مسيرة الرباط، كان عليك أيها الجلاد أن تسمح لهم بالتفريغ، والتعبير عمّا ترسّب في أنفسهم، من خيبة وتذمّر.. كان عليك أن تعتمد [علم النفس]، بدل اعتماد سياسة الكبْس على النفس.. كان عليك أن تترك [البركان] يتنفّس بدل خنْقِه، ومنْعِه من أن يتخلص بسَلاسلة من بعض حِمَمه؛ هذا لو كنت صاحب عقْل متبصّر، وقامة طويلة تجعلك ترى ما هو خلف الجبل.. لقد أبدع [ماكياڤيللي] كثيرا في مجال المكْر السياسي لكنه حذّر من [مكر التاريخ]..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق