الشعب يعْرض عن "بنكيران" وعن كافّة الذُّؤْبان

الشعب يعْرض عن "بنكيران" وعن كافّة الذُّؤْبان

2016-10-19 11:21:28

قال "جبران خليل جبران" في ترنيمة حزينة: [نحن أبناء الكآبة، والكآبة غيوم تمطر العالم خيرا ومعرفة، وأنتم أبناء المسرّات ومعها تعالتْ ضحكاتُكم فهي كأعمدة الدخان تهدمها الرياح وتبدّدها الأعاصير.. صِرتُمُ اليوم تأكلون الخبز معجونا بدمائنا، وتشربون الماء ممزوجا بدموعنا؛ صرنا اليوم نتناول المنَّ من أيديكم، ونرشف شرابا معطَّرا بأنفاس المذلة؛ آهٍ منكم، يا من تحرقون البخورَ أمام الأصنام، وتذبحوننا كقرابين أمام آلهة أهوائكم في مواسمَ معلومة…].. لم يحدث في التاريخ، أن أدان شعبٌ ظالمًا في قُدّاس رهيب صامِت كما أدان الشعب المغربي [بنكيران] وشيعَتَه يوم الجمعة 07 أكتوبر.. لم يذكرِ التاريخُ أن عرفت "مسيرةٌ" صامتة عددًا من المشاركين فاق عشرة ملايين مظلوم، والمسيرة الحزينة الصامتة هي من أكثر المسيرات رهابةً وتعبيرًا؛ والصمتُ في أغلب الأحيان يكون أقوى بلاغةً وأوضحَ تعبيرا، وذاك كان موقف الشعب من أحزاب الذُّؤْبان، وبني آوى، وما شاكلهم من مفترسات الغاب يوم 07 أكتوبر الذي دعوه يوم [حقٍّ وواجب] عبر تركيبة لغوية لم يُعْرف في التاريخ مثلها، حيث الفعلُ يُدْعى في آن واحد [حقّا وواجبًا]..

لقد شاهدنا [بنكيران] يزهو ويضحك هو وشيعتُه، على جثث حقوق الشعب، ويحتفي بنصر كاذب، وفوز هو من وحي خياله.. كان [بنكيران] يريد أن يوهّمَ العالم أن شيعتَه هي الشعب، ولكنْ هيهات من أن يبلغ ذلك؛ فلو كان صاحبَ شرف، وذا همّة، ويستبطن ذِمّة، لقدّم استقالته، بعد موقف 10 ملايين منه ومن سياسته.. لو كان ذا كرامة لبرّأ نفسَه أمام الله والتاريخ، ولما فضّل 10 ملايين سنتيم يصيبها سُحْتًا كل شهر على دموع 10 ملايين نفسٍ نبذتْه يوم 07 أكتوبر الحزين.. هذا [لو] لكنّ (لوْ) تفيد عدم الإمكان.. لم يحدث خلال تاريخ المغرب أن نزلتْ نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 43 بالمائة، وكان عدد الصادقين الرافضين لسياسة الكاذبين 10 ملايين، لكن في عهد [بنكيران] حدث ذلك، وكان عليه أن ينسحب بدل ممارسة الكذب على العالم، وأمام مراقبين، وعلى مرمى حجر من المؤرّخين، محاولاً أن يصبغ هزيمتَه النكراء بلون فوزٍ وهمي كاذب ثم يصوّر شعيتَه كما لو كانت هي الشعب.. ولكن هيهات! فالعشرة ملايين هم الصادقون مع أنفسهم ومع واقعهم.. لقد رفضوا الكذب وقالوا: "إلى هذا الحدّ وكفى".. يقول الفيلسوف الأمريكي الشهير [دايڤيد ثورو]: "الكذب الذي خلْفنا، والكذب الذي أمامنا لن يكون بذي أهمية إذا ما قورن بالكذب الذي يعشعش في صدورنا".. وهذا ينطبق تماما على المصابين بالإسهال الكلامي، وعلى البرّاحة في المواسم، وعلى شعراء [أعذب الشعر أكْذبُه] الذين نسمّيهم كذبا "المحلّلون" في القنوات التلفزية، والذين يكذبون على أنفسهم وعلى غيرهم بتحليل أمور هي نفسُها كاذبة مثل انتخابات هجرها الشعبُ، وأعرض عنها ولم يظْهر في الساحة غير كتائب وميليشيات أحزاب، وما هي بأحزاب، ولكن شُبّه لهم.. تُحلّل ماذا يا هذا؟! كان على المحلّلين، لكي يستحقّوا شرف لقبهم، أن يناقشوا سبب الكارثة التاريخية المتمثّلة في إعراض الشعب عن هذه الانتخابات التي همّت فقط "بنكيران وحَوْزته"، وكان من المفروض أن تلغى فورا كما حدث في بلد ديموقراطي اسمُه [النامسا] وأن يُبْعَد [بنكيران] عن الساحة كما أراد الشعب.

الإعراض عن هذه الانتخابات، يسمّونه في قاموس كذبهم وسفسطتهم [العزوف أو المقاطعة] مع العلم أنه [إعراض] وهو ما أوصى به الله عز وجل نبيّه الكريم: "وأعْرِضْ عنهم"، يعني المنافقين والكذّابين، وهو ما تمثِّله هذه الشيع الحزبية في بلادنا. يقول [ماركيوز] الملقّب بفيلسوف القرن العشرين، إنّ هؤلاء المعرضين هم الصادقون الواعون، وهم أمل المستقبل، وليس المتحزّبين المسْتلَبين الذين انتهى التاريخ من أمرهم.. لماذا تتحدثون أيها المحلّلون المأجورون عن المصوّتين المتحزّبين، وتهْملون المعرضين الصادقين؟ لماذا يمارس الامتناعُ عن التصويت في (الأمم المتحدة) فيكون حقّا ومشروعا قانونًا، ويُرفَض في الانتخابات المغربية، رغم أنه يعتبر تعبيرا عند كافة المفكّرين، والفلاسفة، ومقبولاً من طرف الله عز وجل، وأوصى به لمواجهة الكذبة والمنافقين؟ هل هذا معقول؟ هل تريدون من المسلم المؤمن، والمواطن الصادق أن يزكّي انتخابات يشارك فيها [سيدُ الكذب وقومُه]؟ هل تريدون من المغاربة الأحرار أن يُضفوا المصداقية على انتخابات يشارك فيها [بنكيران] وكتيبتُه الظلامية، وهو الذي سرق أقوات المغاربة، وأقسم على ذلك بأغلظ الأيمان لتجويع الشعب تحت يافطة الإصلاح، فيما سالمَ اللصوص تحت شعار [عفا الله عما سلف]؟ هل تريدون من المغربي صاحب الحسّ المرهف أن يقول لجلاّده التاريخي: [لبّيك؛ اِفْعل بي ما تشاء]؟ هل تريدون من المواطن الذي رفض أجدادُه الذّل والمسكنةَ أن يكَرسَ واقع الجائع، والمتقاعد، والموظف، والعامل، والتلميذ، والطفل، والمرأة، وبائس يأكل من القمامة مع الكلاب، ومنبوذ مازال يسكن إلى الآن في المغارات فتزوره بعثاتُ التَّمْسيح، وتقول له [أخْبرنا الرّب بحالك فأتينا لمساعدتك] فيقول لهم المغربي المنْسي في الكهوف: "دلُّوني على هذا الرّب أعبده، وعلى هذا الدّين أعتنقه".. هل يعلم هؤلاء أن البائس يقف كل يوم جمعة أمام الكنيسة لينال "قفّةَ المسيح" قبل أن يذهب إلى المسجد ليسمع الحثَّ على الصبر في انتظار القبر، فيما "بنكيران" يصيب شهريا 13 مليون سنتيم، ومن أجل ذلك أزبد وأرغد، فصوّت عليه قومُه خوفا من أن يصاب بنوبة قلبية إن هو أُرغم على الفطام، أو أن يحرق جسدَه، أو يلتحق بدولة لينضمّ للخونة؛ فهؤلاء لا يعبدون الله على حرف، ويحبون الوطن على طمع؟

لقد تحدثت الأخبار عن 10 ملايين من الـمُعرضين، وأهملت غير المسجّلين أصلا، وأغفلت الأميين الذين لا يعرفون طريقة التصويت المعقّدة بالقلم، ويجهلون بل لا يتبيّنون ما تعنيه تلك الرموز الهيروغليفية ثم لا أحد بإمكانه مساعدته، حفاظا على نزاهة الاختيار بين الذئب وابن آوى، وهذه الطريقة الملتوية وضعها الوضّاعون ليصوت فقط المدرَّبون؛ ثم حساب الأصوات يشبه معادلات [أينشتاين] المعقّدة، أضفْ إلى ذلك لعبة اللائحة المحلّية واللائحة الوطنية، والبقية آتية، لأن [الاختراعات] ليس لها حدود في بلادنا، وما أكثر اللعب في بلادنا، وصدق "نابليون" حين قال: [الناس يُقادون بلعب الأطفال].. ثم تحدّث فلاسفة السفْسطة، وفسّروا وحلّلوا، وتوقّعوا عدة سيناريوهات في تشكيل حكومة بوزراء ربُّك أعْلم بعددهم، وجعلوا من الأمر إشكالية، وكأننا في إسبانيا أو بريطانيا حيث توجد أحزاب حقيقية، وكلّما أخفق حزبٌ قدَّم زعيمُه فورا استقالتَه..

فتشكيل الحكومة "السّاموراي" هيِّن ببلادنا.. فإذا كان [بنكيران] قد استطاع أن يكوّن في حوْزته "جهاديين مصوِّتين"، فمن السهل عليه أن يجلب "نينجا" لفريقه الحكومي من أدْيِرة الأحزاب، وكلُّها تستطيب العروض التي يُغْريها بها "بنكيران" وهي من أموال الأمّة؛ وسوف يأتي ممثّل "البنك الدولي" ليتفقّد أعضاء كتيبة الإعدام التي ستُعدِم ما تبقى من حقوق، والتي ستتولى قيادة المغرب نحو هوّة سحيقة لا بارقة من أمل فيها لا قدّر الله؛ ولكن هذا واردٌ، وذكَره التاريخ، وحذّر منه.. فهذه الأحزاب لا مبادئ لها، وقد برّر المحللون الكذَبة ذلك بقولهم إنّ في السياسة لا توجد خطوط حمراء؛ ولكن هذا ينطبق على سياستهم لا على السياسة الحقيقية، وقد رأينا كيف ترشّح زعيم حزب باسم حزب آخر؛ وسوف نشاهد السّريالية، وكيف ستتنوّع لوحاتُها، ويغتني فنُّها، وسترى روعة الرسوم المتحركة، وسيسْتلقي المتفرّج على ظهره من وطأة الضحك؛ وسترى الأقلية المرفوضة من طرف الشعب كيف ستؤدّي المسرحيةَ الهزْلية على خشبة المسرح السياسي ببلادنا، قبل أن ينطلق مسلسل المسرحيات الفاشلة على خشبة مسرح القبة.. هذه كانت بإيجاز لوحة مضحِكة ومبْكية للواقع السياسي الرديء ببلادنا لكن إلى متى سيستمرّ اللعب بمستقبل أمّة، تُذبَح على مذابح مصالح أصحاب المصالح؛ لكنّ الزمن يؤدّي حتما إلى نهاية..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق