ثرثرةُ أحزاب أنهكتِ الشعبَ وعطّلت ملكاتِه الإدراكية

ثرثرةُ أحزاب أنهكتِ الشعبَ وعطّلت ملكاتِه الإدراكية

2016-10-20 10:47:33

قد يبدو هذا الكلام غريبا وصادما في آن معًا؛ لأننا تعوّدنا على كلام يصاغ ويُطْبَخ في مطابخَ مليئة بالتوابل، والأملاح، والسُّكريات، مما يرتاح له الذواقون، وهو ما يجعلنا نتقزز من الأدوية المركّبة في مختبرات العقلانية، لأنها مُرّة؛ أما ما تنتجه المطابخ، فهو لذيذ، ومطلوب، لذا تجدنا نرحّب بوجبات المطبخ، وننفر من مُركّبات المختبر العقلية.. فقد يقال: وما جدْوى أن تصدم الناس؟ عملية الصّدم ضرورية لإيقاظ النائمين من نومهم؛ فالوعي والمعرفة والحكمة كلها تبدأ بالصدمة، لكي يستيقظ الناس من الأحلام، وينهضوا من غفوة الأوهام؛ فكثيرا ما تحسب الناس أيقاظًا فيما هم نيام؛ وهو ما حدث (لأهل الكهف) حيث ناموا قرونا طويلة، ولـمّا استفاقوا أرادوا أن يشتروا طعاما بورقة نقدية عفا عنها الزمان، ولا قيمة لها ولا قوّة إبرائية؛ اُنظر سورة (أهل الكهف) في القرآن الكريم.. فنحن نمثّل أهل الكهف باعتمادنا سياسةً عفا عنها الزمان؛ وتجاوزتْها العصور، ومع ذلك ما زلنا نحلم بالتقدم؛ والتقدم لا نعرف حتى طريقه على الخريطة، فما بالك من السير فيه على صعيد الواقع الملموس؛ وهذه معضلتنا المستعصية للأسف الشديد..

لقد عشنا حملة انتخابية، أخذنا فيها الكلمات على أنها أفعال، ورأيتَنا، ككل حملة، قانعين بما سمعنا، وقلّما نلاحظ ما إذا كان الوعد قابلا للوفاء فعلا أم غير قابل، لأنها أتت على أطباق يحمل كلُّ طبق اسمَ ورَمْز، وشعار الحزب الذي طبختْ نخبةُ طبّاخيه تلك الوجبة في مطبخ دهاليزه، ثم قدمها للناس خطباءُ عبْر خُطب بليغة، تُوهّم السامعَ بالتقدم الذي هو في متناول اليد، فيما هو بعيد كل البعد؛ لكن طبقات الشعب تجد كلٌّ منها ما يطربها، وما يكفيها، بل ما يقنعها بالغد الأفضل، لأن كثرة الثرثرة، هي عامل من عوامل الإنهاك، وإضعاف الإدراك، وسِحْر العقول بالكلام الأجوف؛ وزُمَر الأحزاب، بطبيعتها، ثرثارة بلا حدّ، هدفُها إنهاك الشعب، وتعطيل ملكات إدراكه.. فكيف للشعب أن يدرك أن هذه الأحزاب هي مجرد طبقة [بلوتوقراطية] تتسابق على الحكم من أجل الغنى، والثراء، والمنصب؛ وهي سليلة [تيوقراطية] التي كان يجسّدها رجال الدين في الفترة القروسطية؛ وإذا كان رجال الدين يمنحون الناس صكوك الغفران، والوعد بالجنة والفردوس، والنجاة من النار؛ فإن هؤلاء اليوم، يمنحون الناس وهْمَ الرفاهية، والكرامة، والعيش الكريم في جنة على الأرض؛ هذه هي الحقيقة الصادمة..

لقد تابعْنا مضامين حملاتهم، فوجدناها متشابهة، بل متماثلة، وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الوجودي [سارتر] بعبارته الساخرة: [واحد زائد واحد، يساوي واحد]؛ والاختلاف الوحيد يكمن في تنوّع الصياغات والتعبيرات؛ فما الفرق مثلا بين حاصِل [2x2] وحاصل [2+2] وكذلك هي حصيلة ثرثرة 35 حزبا بلا مصداقية؛ أحزاب بلا برامجَ علمية دقيقة ومفصَّلة تعلن قابليتَها للتطبيق على صعيد الواقع.. المواطن العادي يتعذّر عليه إدراكُ هذه الأمور، لغياب ضمير الأمّة، والمعبًّر عن همومها؛ ذاك الذي يبثّ الوعي فيها وهو المثقف؛ إلا أن من المثقفين من فضّل الصمتَ والحياد السلبي؛ ومنهم من صار يعيش عالمه الخاص منفصلا تماما عن مجتمعه وواقعه؛ ومنهم من صار تاجر ثقافة استهلاكية تافهة وغير ملتزمة بقضايا المجتمع؛ ومنهم من فصل في ذهنه بين ما هو سياسي وما هو ثقافي؛ ومنهم من عرض نفسه في أسواق النخاسة الحزبية، فاشتروْه بفلسين، وكانوا فيه من الزاهدين..

والآن، علينا بالصبر أمام الصدمة التالية.. يتحدثون عن انتظارات المواطن، فيما نحن بصدد تراجعات وجب التراجعُ عنها، والحد منها وهو ما يجعل لفظة [انتظارات] من أشباه الألفاظ.. ننتظر ماذا بعدما صارت الشركات المتوحّشة تتحكم في أثمان المحروقات وقد ارتفعت في المغرب، بعدما انخفضت أثمانُها في كل بلدان المعمور؟ ننتظر ماذا بعد إلغاء صندوق المقاصّة الذي ساعد المواطنين منذ الاستقلال؟ ننتظر ماذا بعدما ضُرب التقاعد، وصار كلّ مواطن منذ شبابه يعرف الهوّة السحيقة التي تنتظره عند شيخوخته، وهو ما سيحد من نشاطه، ويقلل من إنتاجه، ويجعله يوميا في حيرة من أمره؟ ننتظر ماذا بعدما فاق عدد التلاميذ في القسم الواحد 70 تلميذا؟ ننتظر ماذا بعدما فُوتت مؤسساتٌ اقتصادية ومقاولات لمصّاصي الدماء، وأقفلتْ أخرى أبوابَها؟ ننتظر ماذا، وهذه خيراتُنا من ماء، وكهرباء، ونقلٍ يتحكّم فيها الأجانب الجشعون؛ بل صاروا ينظّفون حتى مدنَنا بأبهظ الأثمان، وكأن المغاربة عاجزون عن تدبير خيراتهم، وتنظيف مدنهم؟ فالانتظارات تكون في ما هو جديد، وما هو أرقى ومتقدّم، وليس في ما كان ثم اختفى، وعدْنا القهقرى، وحقوق وارتِ الثرى بسبب [القاتل الاقتصادي] الذي يملي للحكومات سياستها؛ هكذا يسمّى؛ اُنظر كتاب [اعترافات قاتلٍ اقتصادي] لجون بيكنز؛ طبعة 2004.



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق