لماذا فاز "الجهاديون" وكبا المناضلون خلال وقيعة 07 أكتوبر؟

لماذا فاز "الجهاديون" وكبا المناضلون خلال وقيعة 07 أكتوبر؟

2016-10-24 09:13:15

سألني أحدُهم سؤالين مازحَين، يضمران إحراجا، وكأنه عثر على موطن  التناقض في ما أكتبه بخصوص الأحزاب عامة، و[البيجيدي] خاصة، حيث قال: "لماذا لا تنتقد حزب [البام] كما تفعل تجاه حزب [العدالة والتنمية] وبقية الأحزاب السياسية؟ وسؤالُه الثاني كان: "لماذا صوّت بعض الناس [لبنكيران] لو كان سيّئا إلى هذا الحدّ؟".. وجوابي على السؤال الأول، هو أنه إذا كان هذا الأخ السائل من المتيّمين، والمتعاطفين، ومن المصوّتين لحزب [البيجيدي]، فهو يعرف لماذا صوّت له، وأنا بدوري أسأله عن السّر في ذلك، رغم ما أصابه من سياسة [بنكيران]، ورغم أن الواقع يشهد عليه؟ فالتصويت [لبنكيران] والحالة هذه، سوف يكون سببه هو إما نكاية في مجتمع، يعتبر منحرفًا، وهو ما تروّج له الظّلامية، وأن المصوّتين هم الثلث الناجي يوم القيامة، وإمّا السبب هو معاقبة مَن (ظلموا) [بنكيران] الذي كانت دموعه هي سلاحه كما يقال عن المرأة؛ وإما يعود إلى عامل نفسي، يكون الأصل فيه العصبية للطائفة أو القبيلة أو الجماعة الدينية، وهو أمرٌ شائع في مجتمعات لم تَسُدْ فيها بعدُ الحياة العقلية، والممارسة الديموقراطية كفكر ونشاط، بعيدًا عن كل الاعتبارات الأخرى التي هي نتاج مطابخ العواطف الهوجاء.. ألم يقُلْ [سارتر] ذات يوم، إن المعزل هو رمز كل الخيانات التي من الممكن أن يرتكبها فردٌ تجاه مجتمعه، وأنه عبر التصويت نختار لأنفسنا ولغيرنا؟ وهكذا اختار هؤلاء لأنفسهم التعبير عن بُغْضهم لهذه الأمّة، واختاروا لنا جلادا ظلاميا ليصْلينا سوْطَ عذاب؛ هذه هي الحقيقة.. فيوم 07 أكتوبر، كان يوم معركة بين "الجهاديين" والمناضلين، فيما اكتفى الشعبُ بالمراقبة من بعيد، على اعتبار أنه لا خير يُرْجى من هؤلاء ولا من هؤلاء، وهو نفسُه الموقف الذي اتخذه معظم الصحابة الكرام أيام الفتنة الكبرى، أو كما سماها جلالة الملك [القيامة].. وبعد هذه القيامة، فالجحيم هو ما ينتظر الشعب..

أما بخصوص السؤال الثاني حول عدم انتقادي لحزب [بام]، فمردّ ذلك إلى مبدإ أحترمه.. فلماذا سأنتقد حزبا لم يَظهر بعدُ إلى الوجود ظلمُه، وتهافتُه، ونقضُه لوعده، وتنكُّره لعهده؟ فهو لم يتقلّد بعدُ مسؤوليةً، ولم يرأس بعدُ حكومةً حتى أحكُم عليه.. فكيف سأدين حزبا بالظِّنة أو عن الرجم بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ، أما البشر فيحكمون بالظاهر، والله يتولى السرائر.. لكنّ الأحزاب الأخرى خَبرتُها، وبسبب إفلاسها عوقبت بأشباهها، وهي الأصل في وصول الإخوانيين إلى السلطة، وهي السبب في كَلَل الشعب ومَلَله من صناديق الاقتراع، وبعضًا منها شارك في حكومة [بنكيران]، وكان له دور في ضرب حقوق المواطنين، فيما الجانب المعارض منها لم يكن له أي تأثير على الإطلاق؛ وهنا تحضرني رواية [لسارتر] بعنوان: "موتى بلا قبور"، وهو ما ينطبق على هذه الأحزاب للأسف الشديد.. ومعلوم أن [بنكيران] استفاد من إخفاقاتها، وأدرك أنّ رهوط هذه الأحزاب لا تختلف عنه شخصيًا، وأنّ ضالَّتها هي المناصب والمكاسب، مما سهّل عليه اصطيادُها بطعوم المناصب الوزارية، وما يصاحبها من امتيازات على حساب شعب يعاني في صمت.. ففي محكمة التاريخ، سوف يرفض القاضي دَعْواي ضد [البام] لافتقاري للحجج والأدلة، أما بخصوص [البيجيدي] وبقية الأحزاب التي مرّت بتجارب في السلطة، فملف الدعوى متخمٌ بدلائل الإدانة، و[بنكيران] سوف تحين ساعتُه كما حانت ساعات من سبقوه بالإثم والعدوان، وبالكذب على الشعب والبهتان؛ فهي مسألة وقت باعتباره ظالما يحمل ظلم أمّة، مقابل أطماع فانية تجود بها الدنيا، تلك الورهاء الزانية كما سمّاها [أبو العلاء المعرّي] منذ قرون خلت..

أما بخصوص الجواب على السؤال الثاني، والسِّر في التصويت [لبنكيران] رغم ما بدا منه من كذب، وظلْم، وحُبٍّ جنوني للزّعامة والحُكم، فإني سأردّ على السائل بأسئلة، لأن السؤال غالبا ما يكون أفصح وأبلغ من الجواب.. لماذا سار الرّوس وراء [لنين] الدكتاتور، وعميل الألمان الذين احتلّوا رُبع الأراضي الزراعية الروسية، بدل السير وراء [كيرانسكي] الديموقراطي سنة 1917؟ لماذا بايع الناس [يزيد] الفاسق وناكِح العمّات، ضدا على كافة المسلمين الرافضين له في شتى البقاع والأصقاع؟ لماذا أمّرَ الخوارجُ [عبْدَ الله بن وهْب الراسي]، واتخذوه زعيمًا رغم ما عُرف به ممّا يجرّمُه الإسلام، علما بأن الرجل كان حافظا للقرآن، عالما بتعاليم الدين؟ لماذا صوّت بعض الألمان [لهتلر]، فاحتلّ الرتبة الأولى بنسبة 34 بالمائة، فتحالف معه الشيوعيون لتمكينه من تشكيل حكومة، وهو الذي لم يكن يؤمن بالديموقراطية أصلا، ولم يصوّت هؤلاء الألمانُ لأحزاب الديموقراطية الاجتماعية، التي كان زعماؤها يحذِّرون من الحزب النازي الذي قاد ألمانيا إلى الهاوية؟ لماذا يبايع المغرّر بهم [البغدادي] خليفةَ [داعش] وقد قاد الأمة إلى الخراب، والقتل، والزنا، والدمار، وما زال له أتباع ورُعّاع فيما هو [جينْجِزْخان] العصر ليس إلا؟ لماذا سار بعضُ الإنجليز قبل الحرب العالمية الثانية، وراء النازي البريطاني [أوسوولد موسلي]، وتركوا الديموقراطي [وينسطون تشرشل]، ولم يستفيقوا من غفلتهم إلا بعدما صارتِ السماءُ تُمطِر قنابل ألمانية ليل نهار؛ ومن المستغرب أن يحدث هذا في بلد هو من أعرق الديموقراطيات على الإطلاق؟ في كل هذه الحالات لم يستيقظِ الناسُ من سباتهم إلاّ بعد فوات الأوان، وكانوا مسؤولين عن اختياراتهم الخاطئة، وقد عانى من هذه الاختيارات حتى الذين لم يكن لهم ذنبٌ أو يدٌ فيها.. وهنا نصل إلى السؤال المتعلق ببلدنا وهو: لماذا صوّت البعض [لبنكيران] ضدّا على الشعب، بالرغم مما شاهدوه من ضربٍ للحقوق، ورفعٍ للأسعار، وتحطيم لعدة قطاعات، وهلمّ جرا؟ ويوم يصل الشعب إلى حافة الفقر، والمجاعة، ويُخوْصَص التعليم، والصحة، ويرتفع ثمن رغيف الخبز، وينتشر البؤس والجريمة، عندها فقط سوف يستفيق البعض من غفلتهم، كما حدث لهؤلاء الذين أتينا على ذكرِهم آنفا.. [فبنكيران] يا سادة، لا يمثّل أحدًا حتى الذين صوّتوا له؛ فهو بكل بساطة رئيس حكومة [البنك الدولي وصندوق النقد الدولي] وليس رئيس حكومة الشعب؛ قد يصعب الآن على المواطن العادي فهْمُ ذلك، ولكنْ كما قال الشاعر:

سوف تبدي لك الأيام ما كنتُ جاهلاً * يا حسْرةً على العباد! هذا هو الواقع.



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق