عن سماحة الشيخ "إسْبينوزا" أتحدث اليوم

عن سماحة الشيخ "إسْبينوزا" أتحدث اليوم

2016-10-25 10:31:12

دار حوارٌ ساخن، بيني وبين صديق حوْل من يدّعون الورع والزهد والتقوى، مما جعلني أفضّل عليهم [إسْبينوزا]؛ فردّ صديقي غاضبا: [اِتّقِ الله، واستغفرْ ربَّك].. قلتُ هؤلاء هم أبغضُ القرّاء، حذَّر منهم النبيُ الكريم؛ فهم يخدعون بالدعوة إلى الله، وهمُ الأصل في ما وصلت إليه الأمّة، بسبب لِهاثِهم نحو السلطة، والمال، وملذات الحياة، ويأمرون الناس بالصبر، وهم يأكلون سُحْتًا أموالَ الأمّة، وفي الخفاء يقترفون أفظع المآثم، وأبشع الزّلات، بلحاهم الطويلة، وقنادرهم [كما قالت سيدتُنا عائشة رضي الله عنها تَصِفُهم] فوق سُوقِهم قصيرة، وعَمائمِهم فوق رؤوسهم مستديرة، وفتاواهم الظلامية غير المستنيرة، فيما هم يلهثون وراء الحَريرة (وهي المحرَّمات)؛ ويبحثون عن غفلة يطؤون خلالها الحِيرَة (وهي الفروج الحرام).. ولـمّا قلتُ إني أقدّر سلوكَ فيلسوف من أصل يهودي هو [إسْبينوزا] قال: "أتفضّل فيلسوفا يهودي الأصل على [ابن تيمية] مثلا أو [القرضاوي] وهما مسلمان؟ قلتُ: نعم!

قال لماذا؟ قلتُ لأنّ [إسبينوزا] يشبه في مبادئه، وسلوكه، وزُهْده سيّدنا [أبا ذرّ الغِفاري] رضي الله عنه، الذي يتقدم عليه لكونه مسلما مؤمنا برسالة سيدنا "محمد" صلى الله عليه وسلم؛ لكنهما يتشابهان في الزهد، وازدراء ملذّات الدنيا الورهاء.. فلو قُدِّر [لإسبينوزا] أن ينطق بالشهادتين، لكان من أهل الجنة، ولشُهد له بذلك في دار الدنيا: كيف ذلك ومَنْ هو [إسبينوزا] هذا؟ينحدر من أسرة يهودية، من تلك الأسر التي تفرّقتْ بعد التشريد الروماني لليهود على يد الإمبراطور [تيطوس]، واستقرتْ في إسبانيا مدّة طويلة، ثم انتقلت إلى هولاندا، وفيها وُلد سنة [1623] لأبوين متوسّطَيِ الحال.. عُرف بالتفوق، والنبوغ، منذ طفولته، وتدرّج في سُلّم الرّقي، حتى صار فيلسوفا شامخا في عصره، وألّف أول كتاب له بعنوان: [مبادئ الفلسفة الدّيكارتية]؛ لكنّ فلسفته أسْخطتْ رجالَ الكنيس اليهودي عليه، فعرضوا عليه أموالا لكي يتخلّى عن أقواله لكنه رفض رغم فقره، وسوء حاله؛ فأصدر الكنيسُ في حقّه الفتوى التالية نعرضها هنا بإيجاز:

[بقرار الملائكة والقدّيسين، نحرم، ونَلْعن، ونصبّ دعاءَنا على (سبينوزا)، ونصبّ عليه جميع اللعنات المدوَّنة في سِفْر الشريعة، وأن لا يتحدث معه أحد، ولا يتصل به، ولا يقدّم له مساعدةً، ولا يسكن معه تحت سقف، ولا يقرأ شيئا خطّه قلمُه، أو أملاه لسانُه، وألاّ يقرب منه أحد على مسافة أربعة أذرع…].. ألا تشبه هذه الفتوى تلك الفتاوى الظلامية التي أصدرها الظلاميون في حق كتّاب، ومفكرين، أدت إلى قتلهم مثل: [حُسَين مُرْوَة، ومصطفى جُحَا، وفَرَج فودة] وغيرهم؛ كما نُفي بعضُهم، وحُظِرت كتبُهم، وهو ما يذكّر بنفي سيدنا [أبا ذرّ الغِفاري] إلى صحراء (الرَّبَذَة) ليموت وحيدا هناك؟ أليستِ الصورة واحدة تتكرّر عبر التاريخ؟ لكن لماذا يروَّج لفكر [ابن تيمية] الذي أفتى بقتل عدد من العلماء المسلمين وكفّرهم، فيما هو مجسِّد لله سبحانه وتعالى، ومكفِّر لمن يزور قبر النبي الكريم، ومجيزٌ مخالفةَ كتاب الله عز وجل؛ هل هذا معقول؟ أليست هذه هي [محْنة العَقل في الإسلام]، وهو الكتاب الذي أدّى إلى قتل كاتبه [مصطفى جحا]، فيما كُتبُ [ابن تيمية] تتضمن كفرًا، ومخالفةً لتعاليم الإسلام، ومع ذلك يلقّبونه [شيخ الإسلام] رغم ما جنتْه كتبُه على الإسلام، وعلى أمّة الإسلام، وتجد [القرضاوي] مثلا يبجّله ويثني عليه..

[محمد حسّان] مثلا صار ثريا؛ و[القرضاوي] يعيش في قصر في قطر؛ و[بنكيران] الذي يدّعي الإسلام يبذّر أموال الأمة ويعيث فيها فسادا، ويتقاضى مبلغا ضخما، بالإضافة إلى ما يصاحب ذلك من بذخ، وترف هو وشيعته؛ فيما يضرب أقواتَ المسلمين، بدعوى [الإصلاحات]؛ وهذا [إسبينوزا] كان زاهدا فيما يتسابق إليه هؤلاء؛ من متاع الدنيا، ومظاهرها كما شهد بذلك مؤرّخو الفلسفة.. توسّل إليه [سيمون دي فْري]، أحدُ أثرياء هولاندا، أن يقبل منه هديةً قدرُها ألف جنيه، وهي ثروة في ذلك الوقت، فرفض ذلك بإصرار.. وعرض عليه [لويس الرابع عشر]، أكبر وأعلى ملوك أوربّا شأنا في وقته، مبلغا كبيرا من المال لكنه رفض.. وفي عام (1677) عرضت عليه جامعةُ [هايْدَلْبرج] منصب أستاذ كرسي فلم يقبل، وفضّل أن يكسب قوتَه من صَقْل العدسات، والعيش في غرفة استأجرها من إحدى الأسر المسيحية.. يقول مؤرّخ في شأنه: [هذا شَمَمٌ قلّ أن ينافسه عليه أحد، ويجب أن يُذْكر عنه ويُقدَّر له].. صحيح كانت له في فلسفته مواطن تهافُتٍ وزَلَل؛ لكنه قال إن معرفة الله هي أعلى حسنات العقل وفضائله، وأن المسيح هو بشر، وليس الله مشى بين الناس؛ لكنّ [ابن تيمية] قال: [إن الله ينزل من على العرش كما أنزل أنا الآن من على المنبر] فصار بغيضا مجسِّدا؛ واليوم له أتباع، وأشياع، وقتلَة، ورُعّاع.. لهذه الأسباب أفضّل [إسبينوزا] على [القرضاوي، وحسّان، وعَرعُور، والريسوني] وكلّ الأثرياء المتكسِّبين بالدين، وبقية نجوم القنوات الظلامية..



صاحب المقال : فارس محمد
إظافة تعليق